مفتاح دار السعادة

وفي بعض الآثار: «يقولُ إبليس: أهلكتُ بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله، فلمَّا رأيتُ ذلك بثثتُ فيهم الأهواء فهم يُذْنِبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا»١.

فإذا ظفر منه بهذه صَيَّره من دعاته وأمرائه.

* فإن أعجزَته ألقاه في الثالثة، وهي الكبائر.

* فإن أعجزَته ألقاه في اللَّمَم، وهي الرابعة، وهي الصغائر.

* فإن أعجزَته شَغَله بالعمل المفضول عما هو أفضلُ منه، ليَرْبَح عليه الفضلَ الذي بينهما؛ وهي الخامسة.

* فإن أعجزه ذلك صار إلى السادسة، وهي تسليطُ حزبه عليه يؤذونه ويشتمونه ويَبْهَتونه ويرمونه بالعظائم؛ ليَحْزُنَه ويشغلَ قلبه عن العلم والإرادة وسائر أعماله.

فكيف يمكنُ أن يحترز منه من لا علم له بهذه الأمور، ولا بعدوِّه، ولا بما يحصِّنُه منه؟! فإنه لا ينجو من عدوِّه إلا من عرفه وعرفَ طرقَه التي يأتيه منها وجيشَه الذي يستعينُ به عليه، وعرفَ مداخلَه ومخارجَه، وكيفيَّةَ محاربته، وبأيِّ شيءٍ يحاربه، وبماذا يداوي جِراحتَه٢، وبأيِّ شيءٍ يستمدُّ

  1. (١) أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ٤٠)، وأبو يعلى في «مسنده» (١/ ١٢٣) - ومن طريقه تاج الدين السبكي في «طبقات الشافعية» (١/ ٢٨) -، والطبراني في «الدعاء» (١٧٨٠) من حديث أبي بكر الصديق مرفوعًا بإسنادٍ شديد الضعف.
    وانظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٧٧٥)، و«مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٠٧)، و«إتحاف الخيرة» للبوصيري (٧/ ٤٢٢).
  2. (٢) (ح، ن): «جراحاته».
309

القوةَ لقتاله ودفعه. وهذا كلُّه لا يحصلُ إلا بالعلم. فالجاهلُ في غفلةٍ وعمًى عن هذا الأمر العظيم والخَطب الجسيم.

ولهذا جاء ذكرُ هذا العدوِّ وشأنه وجنوده ومكايده في القرآن كثيرًا جدًّا؛ لحاجة النفوس إلى معرفة عدوِّها، وطرق محاربته ومجاهدته، فلولا العلمُ يكشفُ عن هذا لما نجا من نجا منه؛ فالعلمُ وثمرتُه١ هو الذي تحصلُ به النجاة منه.

الوجه التاسع والثمانون: أنَّ أعظمَ الأسباب التي يُحْرَمُ بها العبدُ خيرَ الدنيا والآخرة ولذَّة النعيم في الدَّارين، ويدخلُ عليه عدوُّه منها، هو:

* الغفلةُ المضادَّة للعلم.

* والكسلُ المضادُّ للإرادة والعزيمة.

هذان أصلُ بلاء العبد وحِرْمانه منازلَ السُّعداء، وهما من عدم العلم.

* أمَّا الغفلة، فمضادَّةٌ للعلم منافيةٌ له.

وقد ذمَّ سبحانه أهلها، ونهى عن الكَوْن منهم٢، وعن طاعتهم والقبول منهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].

  1. (١) «وثمرته» ليست في (ق).
  2. (٢) (ن): «معهم». والمثبت موافقٌ للفظ الآية.
310

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي