مفتاح دار السعادة

القوةَ لقتاله ودفعه. وهذا كلُّه لا يحصلُ إلا بالعلم. فالجاهلُ في غفلةٍ وعمًى عن هذا الأمر العظيم والخَطب الجسيم.

ولهذا جاء ذكرُ هذا العدوِّ وشأنه وجنوده ومكايده في القرآن كثيرًا جدًّا؛ لحاجة النفوس إلى معرفة عدوِّها، وطرق محاربته ومجاهدته، فلولا العلمُ يكشفُ عن هذا لما نجا من نجا منه؛ فالعلمُ وثمرتُه١ هو الذي تحصلُ به النجاة منه.

الوجه التاسع والثمانون: أنَّ أعظمَ الأسباب التي يُحْرَمُ بها العبدُ خيرَ الدنيا والآخرة ولذَّة النعيم في الدَّارين، ويدخلُ عليه عدوُّه منها، هو:

* الغفلةُ المضادَّة للعلم.

* والكسلُ المضادُّ للإرادة والعزيمة.

هذان أصلُ بلاء العبد وحِرْمانه منازلَ السُّعداء، وهما من عدم العلم.

* أمَّا الغفلة، فمضادَّةٌ للعلم منافيةٌ له.

وقد ذمَّ سبحانه أهلها، ونهى عن الكَوْن منهم٢، وعن طاعتهم والقبول منهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].

  1. (١) «وثمرته» ليست في (ق).
  2. (٢) (ن): «معهم». والمثبت موافقٌ للفظ الآية.
310

وقال النبيُّ ﷺ في وصيَّته لنساء المؤمنين: «ولا تَغْفُلْنَ فتَنْسَيْنَ الرَّحمة»١.

وسئل بعضُ العلماء عن عشق الصُّوَر، فقال: «قلوبٌ غَفَلت عن ذكر الله، فابتلاها بعبوديَّة غيره»٢.

فالقلبُ الغافلُ مأوى الشيطان؛ فإنه وسواسٌ خنَّاس، قد التقمَ قلبَ الغافل٣ يقرأ عليه أنواعَ الوساوس والخيالات الباطلة، فإذا تذكَّر وذكر اللهَ انجَمَع٤ وانضمَّ وخَنَسَ وتضاءلَ لذكر الله، فهو دائمًا بين الوسوسة والخَنْس.

وقال عروةُ بن رُوَيْم: «إنَّ المسيحَ ﵇ سأل ربَّه أن يُرِيَه موضعَ الشيطان من ابن آدم، فجلَّى له، فإذا رأسُه رأسُ الحَيَّة، واضعٌ رأسَه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبدُ ربَّه خَنَس، وإذا لم يذكر وَضَع رأسَه على ثمرة قلبه فمَنَّاه وحَدَّثه»٥.

  1. (١) أخرجه الترمذي (٣٥٨٣)، وأبو دود (١٥٠١)، وأحمد (٦/ ٣٧٠)، وغيرهم.
    قال الترمذي ــ كما في المطبوعة، ولم يرد في «تحفة الأشراف» (١٣/ ٦٧) ــ: «هذا حديث غريب».
    وصححه ابن حبان (٨٤٢)، والحاكم (١/ ٥٤٧) ولم يتعقبه الذهبي ــ وانظر: «إتحاف المهرة» (١٨/ ٢٢٩) ــ، وحسنه النووي في «الأذكار»، وابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٨٧).
  2. (٢) انظر: «جامع المسائل» (١/ ١٧٨) رسالة العشق المنسوبة لابن تيمية.
  3. (٣) (ن): «القلب الغافل».
  4. (٤) في طرَّة (ح) إشارةٌ إلى أن في نسخة: «انقمع».
  5. (٥) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ١٢٣)، وغيره. وانظر: «فتح الباري» (٦/ ٥٦٣، ٨/ ٧٤٢)، و«الدر المنثور» (٦/ ٤٢٠).
311

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي