وقال النبيُّ ﷺ في وصيَّته لنساء المؤمنين: «ولا تَغْفُلْنَ فتَنْسَيْنَ الرَّحمة»١.
وسئل بعضُ العلماء عن عشق الصُّوَر، فقال: «قلوبٌ غَفَلت عن ذكر الله، فابتلاها بعبوديَّة غيره»٢.
فالقلبُ الغافلُ مأوى الشيطان؛ فإنه وسواسٌ خنَّاس، قد التقمَ قلبَ الغافل٣ يقرأ عليه أنواعَ الوساوس والخيالات الباطلة، فإذا تذكَّر وذكر اللهَ انجَمَع٤ وانضمَّ وخَنَسَ وتضاءلَ لذكر الله، فهو دائمًا بين الوسوسة والخَنْس.
وقال عروةُ بن رُوَيْم: «إنَّ المسيحَ ﵇ سأل ربَّه أن يُرِيَه موضعَ الشيطان من ابن آدم، فجلَّى له، فإذا رأسُه رأسُ الحَيَّة، واضعٌ رأسَه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبدُ ربَّه خَنَس، وإذا لم يذكر وَضَع رأسَه على ثمرة قلبه فمَنَّاه وحَدَّثه»٥.
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٨٣)، وأبو دود (١٥٠١)، وأحمد (٦/ ٣٧٠)، وغيرهم. قال الترمذي ــ كما في المطبوعة، ولم يرد في «تحفة الأشراف» (١٣/ ٦٧) ــ: «هذا حديث غريب». وصححه ابن حبان (٨٤٢)، والحاكم (١/ ٥٤٧) ولم يتعقبه الذهبي ــ وانظر: «إتحاف المهرة» (١٨/ ٢٢٩) ــ، وحسنه النووي في «الأذكار»، وابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٨٧).
(٥) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ١٢٣)، وغيره. وانظر: «فتح الباري» (٦/ ٥٦٣، ٨/ ٧٤٢)، و«الدر المنثور» (٦/ ٤٢٠).
وقد روي في هذا المعنى حديثٌ مرفوع١.
فهو دائمًا يترقَّبُ غفلةَ العبد، فيبذُر في قلبه بذرَ الأماني والشهوات والخيالات الباطلة، فيثمرُ كلَّ حنظلةٍ وكلَّ شوكٍ وكلَّ بلاء، ولا يزالُ يمدُّه بسَقْيِه حتى يغطِّي القلبَ ويُعْمِيه.
* وأمَّا الكسل، فيتولَّد عنه الإضاعةُ والتفريطُ والحرمانُ وأشدُّ الندامة وهو منافٍ للإرادة والعزيمة التي هي ثمرةُ العلم؛ فإنَّ من علمَ أنَّ كمالَه ونعيمَه في شيءٍ طلبه بجهده وعزم عليه بقلبه كلِّه، فإنَّ كلَّ أحدٍ يسعى في تكميل نفسه ولذَّته، ولكنَّ أكثرهم أخطأ الطَّريق لعدم علمه بما ينبغي أن يطلبه.
فالإرادةُ مسبوقةٌ بالعلم والتصوُّر، فتخلُّفها في الغالب إنما يكونُ لتخلُّف العلم والإدراك، وإلا فمع العلم التامِّ بأنَّ سعادة العبد في هذا المَطْلب ونجاتَه وفوزَه كيف يلحقُه كسلٌ في النهوض إليه؟!
ولهذا استعاذ النبيُّ ﷺ من الكسل؛ ففي «الصحيح»٢ عنه أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذُ بك من الهمِّ والحَزَن، والعجز والكسل، والجُبْن والبخل، وضِلَع الدَّين وغلبة الرجال».
(١) أخرجه أبو يعلى (٤٣٠١)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٦٨)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٨٦)، والبيهقي في «الشعب» (٢/ ٤٣٥)، وغيرهم من حديث أنسٍ بإسنادٍ ضعيف. وضعفه ابن حجر في «الفتح» (٨/ ٧٤٢). وانظر: «مجمع الزوائد» (٧/ ١٤٩)، و«إتحاف الخيرة» (٦/ ٣١٥، ٣٨٤).
(٢) «البخاري» (٢٨٩٣)، واللفظ له، و«مسلم» (٢٧٠٦) من حديث أنس.