فهو دائمًا يترقَّبُ غفلةَ العبد، فيبذُر في قلبه بذرَ الأماني والشهوات والخيالات الباطلة، فيثمرُ كلَّ حنظلةٍ وكلَّ شوكٍ وكلَّ بلاء، ولا يزالُ يمدُّه بسَقْيِه حتى يغطِّي القلبَ ويُعْمِيه.
* وأمَّا الكسل، فيتولَّد عنه الإضاعةُ والتفريطُ والحرمانُ وأشدُّ الندامة وهو منافٍ للإرادة والعزيمة التي هي ثمرةُ العلم؛ فإنَّ من علمَ أنَّ كمالَه ونعيمَه في شيءٍ طلبه بجهده وعزم عليه بقلبه كلِّه، فإنَّ كلَّ أحدٍ يسعى في تكميل نفسه ولذَّته، ولكنَّ أكثرهم أخطأ الطَّريق لعدم علمه بما ينبغي أن يطلبه.
فالإرادةُ مسبوقةٌ بالعلم والتصوُّر، فتخلُّفها في الغالب إنما يكونُ لتخلُّف العلم والإدراك، وإلا فمع العلم التامِّ بأنَّ سعادة العبد في هذا المَطْلب ونجاتَه وفوزَه كيف يلحقُه كسلٌ في النهوض إليه؟!
ولهذا استعاذ النبيُّ ﷺ من الكسل؛ ففي «الصحيح»٢ عنه أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذُ بك من الهمِّ والحَزَن، والعجز والكسل، والجُبْن والبخل، وضِلَع الدَّين وغلبة الرجال».
(١) أخرجه أبو يعلى (٤٣٠١)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٦٨)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٨٦)، والبيهقي في «الشعب» (٢/ ٤٣٥)، وغيرهم من حديث أنسٍ بإسنادٍ ضعيف. وضعفه ابن حجر في «الفتح» (٨/ ٧٤٢). وانظر: «مجمع الزوائد» (٧/ ١٤٩)، و«إتحاف الخيرة» (٦/ ٣١٥، ٣٨٤).
(٢) «البخاري» (٢٨٩٣)، واللفظ له، و«مسلم» (٢٧٠٦) من حديث أنس.
فاستعاذ من ثمانية أشياء١، كلُّ شيئين منها قرينان:
* فالهمُّ والحزنُ قرينان.
والفرقُ بينهما: أنَّ المكروه الوارد على القلب إمَّا أن يكون على ما مضى أو لما يُسْتَقْبَل؛ فالأول هو الحزن، والثاني الهمُّ.
وإن شئتَ قلتَ: الحزنُ على المكروه الذي فات ولا يُتَوقَّعُ دفعُه، والهمُّ على المكروه المنتَظَر الذي يُتَوقَّعُ دفعُه. فتأمَّلْه.
* والعجزُ والكسلُ قرينان.
فإنَّ تخلُّف مصلحة العبد وكماله ولذَّته وسروره عنه، إمَّا أن يكون مصدرُه عدمَ القدرة، فهو العجز، أو يكون قادرًا عليه لكن تخلَّف لعدم إرادته، فهو الكسل، وصاحبُه يلامُ عليه ما لا يلامُ على العجز.
وقد يكونُ العجزُ ثمرةَ الكسل، فيلامُ عليه أيضًا؛ فكثيرًا ما يكسلُ المرءُ عن الشيء الذي هو قادرٌ عليه، وتَضْعُفُ عنه إرادتُه؛ فيفضي به إلى العجز عنه. وهذا هو العجزُ الذي يلومُ اللهُ عليه في قول النبيِّ ﷺ: «إنَّ الله يلومُ على العجز»٢، وإلا فالعجزُ الذي لم تُخْلَق له قدرةٌ على دفعه ولا يدخلُ
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٢٤)، وأبو داود (٣٦٢٧)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٦٢٦)، وغيرهم من حديث سيف الشامي عن عوف بن مالكٍ ﵁. قال النسائي: «سيفٌ لا أعرفه». وعرفه العجليُّ، فقال في «الثقات» (١/ ٦٤٤): «شاميٌّ تابعيٌّ ثقة». وذكره ابنُ حبان في «الثقات» (٤/ ٣٣٩)، وابنُ خلَفون في «الثقات»، كما في «إكمال تهذيب الكمال» (٦/ ١٩٨).