مفتاح دار السعادة

مَعْجُوزُه تحت القدرة لا يلامُ عليه.

قال بعض الحكماء في وصيَّته: «إياك والكسلَ والضَّجر؛ فإنَّ الكسلَ لا ينهض لمَكْرُمَة، والضجرُ إذا نهض إليها لا يصبرُ عليها»١.

والضَّجرُ متولِّدٌ عن الكسل والعجز، فلم يُفْرِده في الحديث بلفظ.

* ثمَّ ذكر الجُبْنَ والبخل.

فإنَّ الإحسانَ المتوقَّعَ من العبد إمَّا بماله وإمَّا ببدنه، فالبخيلُ مانعٌ لنفع ماله، والجبانُ مانعٌ لنفع بدنه.

والمشهورُ عند الناس أنَّ البخلَ يستلزم الجُبْنَ، من غير عكس؛ لأنَّ من بَخِلَ بماله فهو بنفسه أبخَل، والشجاعةُ تستلزمُ الكرم، من غير عكس؛ لأنَّ من جاد بنفسه فهو بماله أسمَحُ وأجوَد.

وهذا الذي قالوه ليس بلازمٍ وإن كان أكثريًّا؛ فإنَّ الشجاعةَ والكرمَ وأضدادها أخلاقٌ وغرائزُ قد تجتمعُ في الرجل، وقد يعطى بعضَها دون بعض٢.

وقد شاهدَ الناسُ من أهل الإقدام والشجاعة والبأس من هو أبخلُ الناس، وهذا كثيرًا ما يوجدُ في أمَّة التُّرك؛ يكونُ أشجعَ من لَيْثٍ وأبخلَ من كلب٣.

فالرجلُ قد يسمحُ بنفسه ويَضِنُّ بماله، ولهذا يقاتِلُ عليه حتى يُقْتَل،

  1. (١) انظر: «البيان والتبيُّن» (٢/ ٢٥٢)، و«محاضرات الأدباء» (١/ ٢٧٥).
  2. (٢) انظر: «الجليس والأنيس» (٢/ ٤٥٠).
  3. (٣) انظر: «جمهرة الأمثال» (١/ ٢٤٧، ٥٣٨).
314

فيبذُل نفسَه١ دونه.

فمن الناس من يسمحُ بنفسه وماله، ومنهم من يبخلُ بنفسه وماله، ومنهم من يسمحُ بماله ويبخلُ بنفسه، وعكسُه. والأقسامُ الأربعةُ موجودةٌ في الناس.

* ثمَّ ذكر ضِلَعَ الدَّين وغلبةَ الرجال.

فإنَّ القهرَ الذي ينالُ العبدَ نوعان:

أحدهما: قهرٌ بحقٍّ؛ وهو ضِلَعُ الدَّين.

والثاني: قهرٌ بباطل؛ وهو غلبةُ الرجال.

فصلواتُ الله وسلامُه على من أوتيَ جوامعَ الكلم، واقتُبِسَت كنوزُ العلم والحكمة من ألفاظه.

والمقصودُ أنَّ الغفلةَ والكسلَ ــ اللذَين هما أصلُ الحرمان ــ سببهما عدمُ العلم؛ فعاد النقصُ كلُّه إلى عدم العلم والعزيمة، والكمالُ كلُّه إلى العلم والعزيمة.

والناسُ في هذا على أربعةِ أضرُب:

الضربُ الأول: من رُزِقَ علمًا، وأُعِينَ مع ذلك٢ بقوَّة العزيمة على العمل به؛ وهذا الضربُ هم خلاصةُ الخلق، وهم الموصوفون في القرآن بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وقوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]، وبقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي

  1. (١) في الأصول: «فيبدا بنفسه». وفي طرَّة (ح): «لعله: فيفدا». والمثبت أشبه.
  2. (٢) (ت، ق، ح): «على ذلك».
315

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي