مفتاح دار السعادة

وقال آخر١:

لا تَخْدَعنْكَ اللِّحى ولا الصُّوَرُتِسْعةُ أعشارِ من ترى بَقَرُ
في شجَرِ السَّرْوِ منهمُ مَثَلٌلها رُواءٌ وما لها ثَمَرُ

وأحسنُ من هذا كلِّه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤].

عالِمُهم كما قيل فيه:

زَوامِلُ للأسْفارِ٢ لا علمَ عندهمبجيِّدها إلا كعِلْمِ الأباعرِ
لعَمرُك ما يدري البعيرُ إذا غدابأوْسَاقِه أو راحَ ما في الغَرائرِ٣

وأحسنُ من هذا وأبلغُ وأوجزُ وأفصحُ قولُه تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥].

  1. (١) وهو ابن لَنْكَك. والبيتان في «اليتيمة» (٢/ ٤١٠) ومعهما ثالث. والثاني وحده في «أسرار البلاغة» (١١٧)، و«ثمار القلوب» (٨٤٦)، وغيرهما. وهما في شعره المجموع (٢٧).
  2. (٢) جمعُ «سِفْر»، وهو الكتاب. وفي المصادر الآتية: «للأشعار». والزوامل: الإبلُ يحمِلُ عليها الرجلُ زاده ومتاعه. والأباعر: جمعُ بعير. والأوساق: الأحمال. والغرائر: أوعيةٌ من خَيْشٍ ونحوه.
  3. (٣) البيتان لمروان بن أبي حفصة في «الكامل» (١٠٣٧)، و«العقد» (٢/ ٤٨٤)، وفي شعره المجموع (٥٨)، يهجو قومًا من رُواة الشِّعر لا يَعْلَمُون ما هو، على استكثارهم من روايته.
318

الضربُ الثالث: من فُتِحَ له بابُ العلم وأُغلِقَ عنه بابُ العزم والعمل؛ فهذا في رتبة الجاهل أو شرٌّ منه.

وفي الحديث المرفوع: «أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه اللهُ بعلمه»١، ثبَّته أبو نعيمٍ وغيرُه.

فهذا جهلُه كان خيرًا له وأخفَّ لعذابه من علمه، فما زاده العلمُ إلا وبالًا وعذابًا، ومع هذا٢ لا مطمعَ في صلاحه، فإنَّ التائه عن الطريق يُرجى له العَوْدُ إليها إذا أبصرها، فإذا عرفها وحاد عنها عمدًا فمتى تُرجى هدايته؟! قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦].

الضربُ الرابع: من رُزِقَ حظًّا من العزيمة والإرادة، ولكن قلَّ نصيبُه من العلم والمعرفة؛ فهذا إذا وُفِّق له الاقتداءُ بداعٍ من دعاة الله ورسوله كان من الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ٦٩ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].

  1. (١) أخرجه الطبراني في «المعجم الصغير» (١/ ٣٠٥)، والبيهقي في «الشعب» (٤/ ٤٠٥)، وغيرهما من حديث أبي هريرة بإسنادٍ ضعيف.
    قال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٦٢٨): «هو حديثٌ انفرد به عثمان البرِّي، لم يرفعه غيره، وهو ضعيف الحديث». وأخرجه ابنُ عدي في ترجمته من «الكامل» (٥/ ١٥٨)، وقال في (٣/ ٤٠): «هو معروفٌ به، والبلاء منه». وضعَّفه العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (١/ ١١).
  2. (٢) (ح، ن): «وهذا».
319

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي