وقد قيل: «العقلُ مَلِك، والبدنُ روحُه، وحواسُّه وأفعاله١ وحركاتُه كلُّها رعيَّةٌ له؛ فإذا ضَعُفَ عن القيام عليها وتعهُّدها وصلَ الخللُ إليها كلِّها»٢.
ولهذا قيل: «من لم يكن عقلُه أغلبَ خصال الخير عليه كان حَتْفُه في أغلب خصال الشرِّ عليه»٣.
ورُوِي أنه لمَّا هبطَ آدمُ من الجنة أتاه جبريل، فقال: إنَّ الله أحْضَرَكَ العقلَ والدِّين والحياء لتختارَ واحدًا منها؛ فقال: أخذتُ العقل٤، فقال الدِّينُ والحياء: أُمِرنا أن لا نفارق العقلَ حيثُ كان. فانحازا إليه٥.
والعقلُ عقلان:
* عقلٌ غريزيٌّ٦؛ وهو أبُ العلم ومربِّيه ومُثْمِرُه.
(٣) نُسِبَ لبعض العرب في «الجليس والأنيس» (٤/ ١٨٢)، و«المصُون» (١٤١)، وغيرهما. ولأردشير في «التذكرة الحمدونية» (٣/ ٢٣٣)، و«ربيع الأبرار» (٣/ ١٤١). ولبعض الأولين في «البيان والتبيُّن» (١/ ٨٦).
(٤) (ت): «اخترت العقل».
(٥) أخرجه ابن الدنيا في «العقل» (٢٧، ٢٨)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٧/ ٤٤٤) عن رجلٍ من أهل مكة. وأخرجه ابن حبان في «روضة العقلاء» (٢٠) من وجهٍ آخر لا يصح.
(٦) (د، ح، ق، ن): «عقل غريزة».
* وعقلٌ مُكتَسبٌ مستفاد؛ وهو ولدُ العلم وثمرتُه ونتيجتُه.
فإذا اجتمعا في العبد فذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، واستقامَ له أمرُه، وأقبلت عليه جيوشُ السعادة من كلِّ جانب، وإذا فقدهما فالحيوانُ البهيمُ أحسنُ حالًا منه، وإذا انفردا نقصَ الرجلُ بنقصان أحدهما.
ومن الناس من يرجِّحُ صاحبَ العقل الغريزيِّ، ومنهم من يرجِّحُ صاحبَ العقل المكتَسب.
والتحقيقُ أنَّ صاحبَ العقل الغريزيِّ الذي لا علم ولا تجربة عنده آفتُه التي يؤتى منها الإحجامُ وترك انتهاز الفرصة؛ لأنَّ عقلَه يَعْقِلُه عن انتهاز الفرصة لعدم علمه بها، وصاحبُ العقل المكتَسب المستفاد يؤتى من الإقدام؛ فإنَّ علمَه بالفُرص وطرقها يلقيه على المبادرة إليها، وعقلُه الغريزيُّ لا يطيقُ ردَّه عنها؛ فهو غالبًا يؤتى من إقدامه؛ والأولُ من إحجامه.
فإذا رُزِقَ العقلُ الغريزيُّ عقلًا إيمانيًّا مستفادًا من مشكاة النبوَّة١، لا عقلًا معيشيًّا نِفاقيًّا يظنُّ أربابُه أنهم على شيء، ألا إنهم هم الكاذبون، فإنهم يرون العقلَ أنْ يُرْضُوا الناسَ على طبقاتهم، ويسالِمُوهم، ويستجلبون٢ مودَّتهم ومحبَّتهم.
وهذا مع أنه لا سبيل إليه، فهو إيثارٌ للراحة والدَّعة على مُؤْنة٣ الأذى في الله والموالاة فيه والمعاداة فيه، وهو وإن كان أسلمَ في العاجلة فهو
(١) استطرد المصنف فلم يذكر جواب الشرط، وهو مفهومٌ من السياق.