وقد رُوِي هذا مرفوعًا من حديث عائشة ﵂١؛ وفي رفعه نظر.
وهذا الكلامُ هو فصلُ الخطاب في هذه المسألة:
فإنه إذا كان كلٌّ من العلم والعمل فرضًا، فلا بدَّ منهما، كالصوم والصلاة.
فإذا كانا فَضلَين ــ وهما النَّفْلان المُتَطَوَّعُ بهما ــ، ففضلُ العلم ونفلُه خيرٌ من فضل العبادة ونفلها؛ لأنَّ العلم يعمُّ نفعُه صاحبَه والناسَ معه، والعبادةُ يختصُّ نفعُها بصاحبها؛ ولأنَّ العلم تبقى فائدتُه وثمرتُه بعد موته، والعبادةُ تنقطعُ عنه؛ ولما مرَّ من الوجوه السابقة.
الوجه العاشر بعد المئة: ما رواه الخطيبُ وأبو نعيم وغيرهما عن معاذ بن جبلٍ ﵁ قال: «تعلَّموا العلم؛ فإنَّ تعلُّمه لله خشية٢، وطلبَه عبادة، ومدارستَه تسبيح، والبحثَ عنه جهاد، وتعليمَه لمن لا يُحْسِنُه صدقة، وبذلَه لأهله قُربة، به يُعْرَفُ اللهُ ويُعْبَد، وبه يُوَحَّد، وبه يُعْرَفُ الحلالُ
(١) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ١٦٠) بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا.
(٢) (ح، ن) وبعض المصادر: «حسنة».
من الحرام، وتُوصَلُ الأرحام، وهو الأنيسُ في الوحدة، والصاحبُ في الخلوة، والدليلُ على السَّرَّاء، والمُعِينُ على الضرَّاء، والوزيرُ عند الأخلَّاء، والقريبُ عند الغرباء، ومنارُ سبيل الجنة، يرفعُ اللهُ به أقوامًا فيجعلُهم في الخير قادةً وسادةً يقتدى بهم، أدلَّةً في الخير تُقْتَصُّ آثارهم، وتُرْمَقُ أفعالُهم، وترغبُ الملائكةُ في خُلَّتهم، وبأجنحتها تمسحُهم، يستغفرُ لهم كلُّ رطبٍ ويابس، حتى حيتانُ البحر وهوامُّه، وسباعُ البرِّ وأنعامُه، والسماءُ ونجومُها، والعلمُ حياةُ القلوب من العمى، ونورٌ للأبصار من الظُّلَم، وقوةٌ للأبدان من الضعف، يبلغُ به العبدُ منازلَ الأبرار والدرجات العلى، التفكُّرُ فيه يُعْدَلُ بالصيام، ومدارستُه بالقيام، وهو إمامٌ للعمل، والعملُ تابعُه، يُلْهَمُه السعداء، ويُحْرَمُه الأشقياء»١.
هذا الأثرُ معروفٌ عن معاذ. ورواه أبو نعيم في «المعجم»٢ من حديث معاذٍ مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ٣، ولا يثبُت، وحسبه أن يَصِلَ إلى
(١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٣٨)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ٢٤٠) بإسنادٍ شديد الضعف.
(٢) لعله: معجم شيوخه. ذكره الذهبي في «السير» (١٧/ ٤٥٥)، والسخاوي في «فتح المغيث» (١/ ١١٩)، وغيرهما. ولعله أخرجه ــ أيضًا ــ في كتابيه: «رياضة المتعلمين»، و«فضل العالم العفيف».
(٣) وأخرجه كذلك ابن عبد البر في «الجامع» (١/ ٢٣٩)، والخطيب في «المتفق والمفترق» (١/ ٣٢٦) بإسنادين، أحدهما شديدُ الضعف، والآخرُ معضل. قال ابن عبد البر: «هو حديثٌ حسنٌ جدًّا، ولكن ليس له إسنادٌ قوي». أراد حُسْنَ المعنى، لا الحُسْنَ الاصطلاحي، كما هو ظاهر، ونصَّ عليه العراقي في «التقييد والإيضاح» (٦٠). ورُوِي الحديثُ من وجوهٍ أخرى لا يثبتُ منها شيء. انظر: «تكميل النفع» للشيخ محمد عمرو عبد اللطيف (٥٩ - ٦٤).