قال أبو بكر الخطيب: «هذا حديثٌ حسن، من أحسن الأحاديث معنًى، وأشرفها لفظًا، وتقسيمُ أمير المؤمنين الناسَ في أوَّله تقسيمٌ في غاية الصِّحَّة ونهاية السَّداد؛ لأنَّ الإنسانَ لا يخلو من أحد الأقسام التي ذكرها مع كمال العقل وإزاحة العِلَل؛ إمَّا أن يكون عالمًا، أو متعلِّمًا، أو مُغْفِلًا للعلم وطلبه ليس بعالمٍ ولا طالبٍ له.
فالعالمُ الربانيُّ هو الذي لا زيادةَ على فضله لفاضل، ولا منزلةَ فوق منزلته لمجتهد، وقد دخلَ في الوصف له بأنه ربَّانيٌّ وصفُه بالصِّفات التي يقتضيها العلمُ لأهله، ويمنعُ وصفَه بما خالفها.
ومعنى الرَّبَّاني في اللغة: الرفيعُ الدرجة في العلم العالي المنزلة فيه،
وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾[المائدة: ٦٣]، وقوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾[آل عمران: ٧٩].
قال [سعيد بن جبير]١: «حكماء فقهاء».
وقال أبو رَزِين٢: «فقهاء علماء»٣.
وقال أبو عمر الزاهد: سألتُ ثعلبًا عن هذا الحرف ــ وهو الرَّبَّاني ــ فقال: سألتُ ابن الأعرابي فقال: إذا كان الرجلُ عالمًا عاملًا معلِّمًا قيل له: هذا ربَّاني، فإنْ خَرَمَ٤ عن خصلةٍ منها لم يُقَل له: ربَّاني.
وقال ابنُ الأنباري عن النحويِّين: إنَّ الرَّبَّانيِّين منسوبون إلى الربِّ، وإنَّ الألف والنون زيدتا للمبالغة في النَّسب، كما تقول: لِحْياني وجُمَّاني إذا كان عظيمَ اللِّحية والجُمَّة٥.
وأمَّا المتعلِّمُ على سبيل النجاة فهو الطالب بتعلُّمه والقاصدُ به نجاتَه من التفريط في تضييع الفروض الواجبة عليه، والرغبةَ بنفسه عن إهمالها واطِّراحها، والأنفةَ من مجانسة البهائم»٦.
(١) سقط من الأصول، سوى (ح)، ففيه: «علي وابن عباس». والمثبت من «الفقيه والمتفقه». وقد أخرجه الطبري (٦/ ٥٤٢) عن ابن عباس.
(٢) (ق): «الواقدي».
(٣) في (ح) زيادة: «وقال قتادة: حكماء علماء». وليست في «الفقيه والمتفقه».
(٤) مهملة في (د، ق). وفي «تهذيب اللغة» (١٤/ ٣١٦): «حرم خصلة». والمثبت من (ح، ت) و«الفقيه والمتفقه». وخَرَمَ عن الشيء: حاد وعدل عنه. «اللسان» (خرم).