مفتاح دار السعادة

فهي أواني مملوءةٌ من الخير، وأواني مملوءةٌ من الشرِّ؛ كما قال بعضُ السَّلف: «قلوبُ الأبرار تغلي بالبِرِّ، وقلوبُ الفجَّار تغلي بالفجور»١.

وفي مثل هذا قيل في المثل: «وكلُّ إناءٍ بالذي فيه يَنْضَح»٢.

وقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]؛ شبَّه العلمَ بالماء النازل من السماء، والقلوبَ في سَعَتها وضِيقها بالأودية؛ فقلبٌ كبير واسعٌ يسعُ علمًا كثيرًا كوادٍ كبيرٍ واسعٍ يسعُ ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغيرٌ ضيِّقٌ يسعُ علمًا قليلًا كوادٍ صغيرٍ ضيِّقٍ يسعُ ماءً قليلًا٣.

ولهذا قال النبيُّ ﷺ: «لا تسمُّوا العنبَ: الكَرْم؛ فإنَّ الكَرْمَ قلبُ المؤمن»٤، فإنهم كانوا يسمُّون شجرَ العنب: «الكَرْم»؛ لكثرة منافعه وخيره، والكَرْمُ كثرةُ الخير والمنافع٥، فأخبرهم أنَّ قلبَ المؤمن أولى بهذه التسمية؛ لكثرة ما فيه من الخير والبرِّ والمنافع٦.

* وقولُه: «فخيرُها أوعاها»؛ يرادُ به أسرعُها وعيًا، وأكثرها وعيًا، وأثبتُها وعيًا، ويرادُ به أيضًا أحسنُها وعيًا. فيكونُ حُسْنُ الوعي ــ الذي هو إيعاءٌ٧

  1. (١) أخرجه أحمد في «الزهد» (٣٢٣)، ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٨٨) عن مالك بن دينار.
  2. (٢) «مجمع الأمثال» (٢/ ١٦٢).
  3. (٣) انظر: «إعلام الموقعين» (١/ ١٥٢)، و«الوابل الصيب» (١٣٣)، وما تقدم (ص: ١٦٥).
  4. (٤) أخرجه البخاري (٦١٨٣)، ومسلم (٢٢٤٧) عن أبي هريرة.
  5. (٥) (ق): «والكروم كثيرة الخير والمنافع». قراءة محتملة. والمثبت أشبه.
  6. (٦) انظر: «زاد المعاد» (٢/ ٣٤٨، ٤٦٨، ٤/ ٣٦٩)، و«تهذيب السنن» (١٣/ ٢١٧).
  7. (٧) أوعى الشيءَ إيعاءً: حَفِظَه. «اللسان» (وعى).
352

لما يقال له في قلبه ــ هو سرعتُه وكثرتُه وثباتُه.

والوعاءُ من مادَّة الوعي؛ فإنه آلةُ ما يُوعى فيه، كالغطاء والفراش والبساط ونحوها، ويوصفُ بذلك القلبُ والأذن؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ١١ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١ - ١٢]، قال قتادة: «أذنٌ سَمِعَت وعَقَلَت عن الله ما سَمِعَت»١، وقال الفراء: «لتحفظَها كلُّ أذن، فتكونَ عظةً لمن يأتي بعدُ»٢.

فالوعيُ توصفُ به الأذنُ كما يوصفُ به القلب، يقال: «قلبٌ واعٍ، وأذنٌ واعية»؛ لما بين الأذن والقلب من الارتباط، فالعلمُ يدخلُ من الأذن إلى القلب، فهي بابُه والرسولُ المُوصِلُ إليه العلمَ، كما أنَّ اللسانَ رسولُه المؤدِّي عنه٣.

ومن عرفَ ارتباط الجوارح بالقلب علمَ أنَّ الأذنَ أحقُّها بأن توصفَ بالوعي؛ فإنها٤ إذا وَعَت وَعَى القلبُ.

وفي حديث جابرٍ في المثَل الذي ضربته الملائكةُ للنبيِّ ﷺ ولأمته، وقول الملَك له: «اسمَعْ سَمِعَت أذنُك، واعقِلْ عَقَلَ قلبُك»٥.

  1. (١) أخرجه الطبري (٢٣/ ٥٧٩).
  2. (٢) «معاني القرآن» (٣/ ١٨١).
  3. (٣) (ت): «الذي يؤدي عنه».
  4. (٤) (د، ح، ن): «وأنها».
  5. (٥) أخرجه الترمذي (٢٨٦٠)، وابن سعد (١/ ١٤٥)، وغيرهما من حديث جابر.
    قال الترمذي: «هذا حديثٌ مرسل؛ سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر». وصححه الحاكم (٢/ ٣٣٨، ٤/ ٣٩٣) من وجهين فيهما إثباتُ واسطةٍ بين سعيد وجابر. ولم يتعقبه الذهبي. والمرسل أشبه.
    وله شاهد من حديث ربيعة الجرشي ﵁، عند الطبراني في «الكبير» (٥/ ٦٥)، وجوَّد إسناده الحافظ في «الفتح» (١٣/ ٢٥٦). وانظر: «تغليق التعليق» (٥/ ٣٢٠). وأخرجه الطبري (١٥/ ٦٠) عن أبي قلابة مرسلًا، بإسقاط ربيعة، وهو أصح.
353

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي