فلمَّا كان القلبُ وعاءً، والأذنُ مدخلَ ذلك الوعاء وبابَه، كان حصولُ العلم موقوفًا على حسن الاستماع وعَقْلِ القلب.
والعقل: هو ضبطُ ما وصلَ إلى القلب وإمساكُه حتى لا يتفلَّت منه. ومنه: عَقْلُ البعير والدابَّة، والعِقالُ لما يُعْقَلُ به، وعقلُ الإنسان سُمِّي عقلًا لأنه يَعْقِلُه عن اتباع الغَيِّ والهلاك، ولهذا يسمَّى: حِجْرًا، لأنه يمنعُ صاحبَه كما يمنعُ الحِجْرُ ما حواه.
فعقلُ الشيء أخصُّ من علمه ومعرفته؛ لأنَّ صاحبَه يعقلُ ما عَلِمَه فلا يَدعُه يذهب، كما يَعْقِلُ الدابَّةَ التي يخافُ شُرودَها.
وللإدراك مراتبُ بعضها أقوى من بعض؛ فأوَّلها: الشُّعور، ثمَّ الفهم، ثمَّ المعرفة، ثمَّ العلم، ثمَّ العقل، ومرادُنا هنا بالعقل: المصدرُ، لا القوَّةُ الغريزيَّةُ التي ركَّبها الله في الإنسان.
فخيرُ القلوب ما كان واعيًا للخير ضابطًا له، وليس كالقلب القاسي الذي لا يقبلُه، فهذا قلبٌ حَجَريٌّ، ولا كالمائع الأخرق الذي يقبلُ ولكن لا يحفظُ ولا يضبط. فتفهيمُ الأول كالرَّسم في الحَجَر، وتفهيمُ الثاني كالرَّسم على الماء. بل خيرُ القلوب ما كان ليِّنًا صلبًا؛ يقبلُ بلِينه ما ينطبعُ فيه، ويحفظُ صورتَه بصلابته، فهذا تفهيمُه كالرَّسم في الشَّمْع وشبهه.
* وقولُه: «الناس ثلاثة: فعالمٌ ربَّاني، ومتعلِّمٌ على سبيل النجاة، وهَمَجٌ رعاع»؛ هذا تقسيمٌ حاصرٌ للناس١، وهو الواقع؛ فإنَّ العبدَ إمَّا أن يكون قد حَصَّل كمالَه من العلم والعمل أوْ لا؛ فالأول: العالمُ الرَّبَّاني، والثاني: إمَّا أن تكون نفسُه متحرِّكةً في طلب ذلك الكمال ساعيةً في إدراكه أوْ لا، والثاني: هو المتعلِّمُ على سبيل النجاة، والثالث: هو الهَمَجُ الرعاع. فالأول: هو الواصل، والثاني: هو الطالب، والثالث: هو المحروم.
والعالمُ الرَّبَّاني، قال ابن عباس ﵄: «هو المعلِّم»٢، أخذَه من التربية؛ أي: يَرُبُّ الناسَ بالعلم٣، ويربِّيهم به كما يربِّي الطِّفلَ أبوه.
وقال سعيد بن جبير: «هو الفقيه العليم الحكيم»٤.
قال سيبويه: «زادوا ألفًا ونونًا في الرَّبَّاني إذا أرادوا تخصيصًا بعلم الربِّ ﵎، كما قالوا: شَعْراني ولِحْياني»٥.
معنى قول سيبويه ــ ﵀ ــ: أنَّ هذا العالِمَ لمَّا نُسِبَ إلى علم الربِّ تعالى الذي بعثَ به رسولَه، وتَخصَّصَ به، نُسِبَ إليه دون سائر من عَلِمَ علمًا ما.
(١) (د، ح، ت، ن): «خاص للناس». وهو تحريف. وفي طرَّة (د): «لعله: حاصر». وأثبت ناسخ (ق) في المتن: «لعله حاصر للناس»، كأنه رأى التعليق في الطرَّة فأدخله في المتن بتمامه!