مفتاح دار السعادة

عقولَهم الضعيفة بالغُصْن الضعيف، وشبَّه الأهويةَ والآراء بالرياح، والغصنُ يميلُ مع الريح حيث مالت، وعقولُ هؤلاء تميلُ مع كلِّ هوًى وكلِّ داع، ولو كانت عقولًا كاملةً كانت كالشجرة الكبيرة التي لا تتلاعبُ بها الرياح.

وهذا بخلاف المثل الذي ضربه النبيُّ ﷺ للمؤمنين بالخَامَة من الزَّرع تُفِيئه الريحُ مرةً وتقيمُه أخرى، والمنافقُ كشجرة الأَرْزِ التي لا تُقْطَعُ حتى تَسْتَحْصِد١؛ فإنَّ هذا المثلَ ضُرِبَ للمؤمن وما يلقاه من عواصف البلاء والأوجاع والأوجال وغيرها، فلا يزالُ بين عافيةٍ وبلاء، ومحنةٍ ومِنْحَة، وصحةٍ وسقم، وأمنٍ وخوف، وغير ذلك، فيقعُ مرةً ويقومُ أخرى، ويميلُ تارةً ويعتدلُ أخرى، فيُكفَّى بالبلاء ويُمَحَّصُ به ويُخَلَّصُ من كَدَرِه، والكافرُ كلُّه خبثٌ ولا يصلحُ إلا للوقود، فليس في إصابته في الدنيا بأنواع البلاء من الحكمة والرحمة ما في إصابة المؤمن.

فهذه حالُ المؤمن في البلاء٢، وأمَّا مع الأهواء ودعاة الفتن والضلال والبدع فكما قيل:

تزولُ الجبالُ الراسياتُ وقلبُهعلى العهدِ لا يلوِي ولا يتَغَيَّرُ٣

* وقولُه: «لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق»؛ بيَّن السببَ الذي جعلهم بتلك المثابة؛ وهو أنه لم يحصُل لهم من العلم نورٌ

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٦٤٣، ٥٦٤٤)، ومسلم (٢٨٠٩، ٢٨١٠) من حديث أبي هريرة وأبي بن كعب.
  2. (٢) (ق): «الابتلاء».
  3. (٣) أنشده المصنف في «بدائع الفوائد» (٥٢٧)، و«طريق الهجرتين» (٦٨١). والرواية في الثاني: على الود.
360

يفرِّقون به بين الحقِّ والباطل؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فإذا عَدِمَ القلبُ هذا النورَ صار بمنزلة الحيران الذي لا يدري أين يذهب، فهو لحيرته وجهله بطريق مقصوده يَؤُمُّ كلَّ صوتٍ يسمعُه.

= ولم يَسْكُنْ قلوبَهم١ من العلم ما تمتنعُ به من دعاة الباطل؛ فإنَّ الحقَّ متى استقرَّ في القلبِ قَوِيَ به وامتنعَ مما يضرُّه ويُهْلِكه، ولهذا سمَّى اللهُ الحجةَ العلميَّة: سلطانًا، وقد تقدَّم ذلك.

فالعبدُ يُؤتى من ظُلمة بصيرته ومن ضَعْف قلبه، فإذا استقرَّ فيه العلمُ النافعُ استنارت بصيرتُه وقَوِيَ قلبُه.

وهذان الأصلان هما قُطبا السعادة، أعني: العلمَ، والقوَّة.

وقد وصفَ بهما سبحانه المعلِّمَ الأولَ جبريلَ صلواتُ الله وسلامُه عليه، فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ٤ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٤ - ٥]، وقال في سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ١٩ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾، فوصفَه

  1. (١) معطوف على قوله: «لم يحصل لهم من العلم نور ...».
361

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي