مفتاح دار السعادة

وهكذا العالمُ بالله وأمره وبعدوِّه ومكايده١ ومداخله على العبد، يحرسُه علمُه من وساوس الشيطان وخطراته وإلقاء الشكِّ والرَّيب والكفر في قلبه، فهو بعلمه يمتنعُ من قبول ذلك، فعلمُه يحرسُه من الشيطان، فكلَّما جاءه ليأخذه صاح به حرسُ العلم والإيمان، فيرجعُ خاسئًا خائبًا.

وأعظمُ ما يحرسُه من هذا العدوِّ المبين: العلمُ والإيمان، فهذا السببُ الذي من العبد، والله من وراء حفظه وحراسته وكَلاءته، فمتى وَكَلَه إلى نفسه طرفة عينٍ تخطَّفه عدوُّه.

قال بعض العارفين: «أجمعَ العارفون على أنَّ التوفيقَ أن لا يَكِلَكَ الله إلى نفسك، وأجمعوا على أنَّ الخِذلان أن يخلِّي بينك وبين نفسك»٢.

وقولُه: «العلمُ يزكو على الإنفاق، والمالُ تَنْقُصُه النفقة»؛ العالِمُ كلَّما بذل علمَه للناس وأنفقَ منه تفجَّرت ينابيعُه وازداد كثرةً وقوَّةً وظهورًا فيكتسبُ بتعليمه حفظَ ما عَلِمَه، ويحصلُ له به علمُ ما لم يكن عنده، وربَّما تكونُ المسألةُ في نفسه غيرَ مكشوفةٍ ولا خارجةٍ من حَيِّز الإشكال، فإذا تكلَّم بها وعلَّمها اتضحت له وأضاءت وانفتح له منها علومٌ أُخَر.

وأيضًا؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، فكما عَلَّمَ الخلقَ من جهالتهم، جزاه اللهُ بأن علَّمه من جهالته؛ كما في «صحيح مسلم»٣ من حديث عِياض بن حمارٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قال في حديثٍ طويل: «وأنَّ الله قال لي: أَنفِقْ أُنفِقْ عليك»، وهذا يتناولُ نفقةَ العلم؛ إمَّا بلفظه، وإمَّا بتنبيهه وإشارته

  1. (١) (ح، ن): «ومصايده».
  2. (٢) انظر: «الوابل الصيب» (١٠)، و«الفوائد» (٩٧)، وما سيأتي (ص: ٨١٨).
  3. (٣) (٢٨٦٥).
363

وفحواه.

ولزكاء العلم ونموِّه١ طريقان:

أحدُهما: تعليمُه.

والثاني: العملُ به؛ فإنَّ العملَ به أيضًا ينمِّيه ويكثِّره، ويفتحُ لصاحبه أبوابَه وخباياه، وهذا لأنَّ تعليمَه والعملَ به هو التجارة فيه، فكما ينمو المالُ بالتجارة فيه كذلك العلم.

وقولُه: «والمالُ تَنْقُصُه النفقة» لا ينافي قول النبيِّ ﷺ: «ما نقَصت صدقةٌ من مال»٢؛ فإنَّ المالَ إذا تصدَّقتَ منه وأنفقتَ ذهبَ ذلك القَدْرُ وخَلَفَه غيرُه، وأمَّا العلمُ فكالقَبس من النار لو اقتبس منها العالَمُ٣ لم يذهب منها شيء، بل يزيدُ العلمُ بالاقتباس منه، فهو كالعَيْن التي كلَّما أُخِذَ منها قويَ ينبوعُها وجاش مَعِينُها.

وفضلُ العلم على المال يُعْلَمُ من وجوه:

أحدها: أنَّ العلمَ ميراثُ الأنبياء، والمالُ ميراثُ الملوك والأغنياء.

الثاني: أنَّ العلمَ يحرسُ صاحبَه، وصاحبُ المال يحرسُ مالَه.

والثالث: أنَّ المالَ تُذْهِبُه النفقات، والعلمُ يزكو على النفقة.

  1. (١) في الأصول: «ونحوه». تحريف. وانظر: «طريق الهجرتين» (٨٠٢، ٨٠٥)، و«إغاثة اللهفان» (١/ ٤٦).
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢٥٨٨) من حديث أبي هريرة.
  3. (٣) (ح): «أهل الأرض». وفي طرَّتها: «في الأصل: أهل العلم». وفي (ن): «أهل العلم». وفي طرَّتها: «لعله أهل الأرض».
364

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي