مفتاح دار السعادة

وهذه اللذَّةُ منغَّصةٌ من وجوهٍ عديدة:

منها: أنَّ تصوُّرَ زوالها وانقضائها وفنائها يوجبُ تنغُّصَها١.

ومنها: أنها ممزوجةٌ بالآفات، معجونةٌ بالآلام، مختلطةٌ بالمخاوف، وفي الغالب لا يفي ألمُها بطِيبها، كما قيل:

قايَسْتُ بين جمالها وفَعالهافإذا المَلاحةُ بالقَباحَةِ لا تَفِي٢

ومنها: أنَّ الأراذلَ من الناس وسَقَطَهم يشاركون فيها كبراءَهم وعقلاءَهم، بل يزيدون عليهم فيها أعظمَ زيادةٍ وأفحشَها، فنسبتُهم فيها إلى الأفاضل كنسبة الحيوانات البهيميَّة إليهم، فمشاركةُ الأراذل وأهل الخِسَّة والدناءة فيها وزيادتُهم على العقلاء فيها مما يوجبُ النُّفرةَ والإعراضَ عنها، وكثيرٌ من الناس حصل له الزهدُ في المحبوب والمعشوق منها بهذه الطريق.

وهذا كثيرٌ في أشعار الناس ونَثْرهم، كما قيل:

سأتركُ حُبَّها من غير بُغْضٍولكنْ كثرةُ الشُّركاءِ فيهِ
إذا وقعَ الذُّبابُ على طعامٍرفعتُ يدي ونفسي تشتهيهِ
وتجتنبُ الأسودُ ورودَ ماءٍإذا كان الكلابُ يَلَغْنَ فيهِ٣
  1. (١) (ح، ن): «تنغيصها». (د، ق): «موجب تنغصها».
  2. (٢) البيت لأبي بكر بن السرَّاج، مِنْ ثلاثة أبياتٍ حِسان، نُسِبَت خطأً لابن المعتز، وهي في ديوانه (١/ ٣٨٦)، وقبض جائزتها عبيدُ الله بن طاهر! الخبر في «الديارات» للشابشتي (١١٨)، و«إنباه الرواة» (٣/ ١٤٧)، و«إرشاد الأريب» (٢٥٣٥)، وغيرها.
  3. (٣) الأبيات في «المستطرف» (١/ ١٦٣، ٢/ ٤٣٤) دون نسبة.
377

وقيل لزاهد: ما الذي زهَّدك في الدُّنيا؟ فقال: «خِسَّةُ١ شركائها، وقلَّةُ وفائها، وكثرةُ جفائها».

وقيل لآخر في ذلك؛ فقال: «ما مددتُ يدي إلى شيءٍ منها إلا وجدتُ غيري قد سبقني إليه، فأتركُه له».

ومنها: أنَّ الالتذاذَ بموقعها إنما هو بقدر شدَّة الحاجة إليها، والتألم بمطالبة النفس لتناولها، وكلَّما كانت شهوةُ الظَّفر بالشيء أقوى كانت اللذَّةُ الحاصلةُ بوجوده أكمل، فما لم تحصُل تلك الشهوةُ لم تحصُل تلك اللذَّة؛ فمقدارُ اللذَّة الحاصلة في الحال مساوٍ لمقدار الحاجة والألم والمضرَّة في الماضي؛ وحينئذٍ تتقابلُ اللذَّةُ الحاصلةُ والألمُ المتقدِّم، فيتساقطان، فتصيرُ اللذَّةُ كأنها لم توجد، ويصيرُ بمنزلة من شَقَّ بطنَ رجلٍ ثمَّ خاطَه وداواهُ بالمَراهم، أو بمنزلة من ضربه عشرةَ أسواطٍ وأعطاه عشرةَ دراهم! ولا تخرجُ لذَّاتُ الدنيا غالبًا عن ذلك.

ومثلُ هذا لا يُعَدُّ لذَّةً ولا سعادةً ولا كمالًا، بل هو بمنزلة قضاء الحاجة من البول والغائط؛ فإنَّ الإنسان يتضرَّرُ بثِقْله، فإذا قضى حاجتَه استراح منه، فأمَّا أن يعدَّ ذلك سعادةً وبهجةً ولذَّةً مطلوبةً فلا.

ومنها: أنَّ هاتين اللذَّتين اللَّتين هما آثرُ اللذَّات عند الناس لا سبيل٢ إلى نيلهما إلا بما يقترنُ بهما قبلهما وبعدهما من مباشرة القاذورات والتألُّم الحاصل عقيبهما.

  1. (١) (ت): «خشية». وانظر: «جامع العلوم والحكم» (٥٥٧).
  2. (٢) (ت، د، ق): «ولا سبيل». خطأ.
378

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي