مفتاح دار السعادة

مثالُه١: لذَّةُ الأكل؛ فإنَّ العاقلَ لو نظر إلى طعامه حال مخالطته ريقَه وعَجْنِه به لنفرت نفسُه منه، ولو سقطت تلك اللقمةُ مِنْ فِيه لنفَر طبعُه من إعادتها إليه.

ثمَّ إنَّ لذَّته به إنما تحصُل في مجرى نحو الأربع الأصابع٢، فإذا فُصِل عن ذلك المجرى زال تلذُّذُه به، فإذا استقرَّ في مَعِدته وخالطه الشرابُ وما في المعدة من الأجزاء الفَضْلِيَّة، فإنه حينئذٍ يصيرُ في غاية الخِسَّة٣، فإن زاد على مقدار الحاجة أورثَ الأدواءَ المختلفة على تنوُّعها، ولولا أنَّ بقاءه موقوفٌ على تناول٤ الغذاء لكان تركُه ــ والحالةُ هذه ــ أليقَ به، كما قال بعضهم:

لولا قضاءٌ جَرى نزَّهتُ أُنمُلتيعن أن تُلِمَّ بمأكولٍ ومشروبِ٥

وأمَّا لذَّةُ الوِقاع، فقَدْرُها أبينُ من أن تُذْكَر آفاتُه، ويدلُّ عليه أنَّ أعضاء هذه اللذَّة هي عورةُ الإنسان التي يستحيي من رؤيتها وذِكْرها، وسترُها أمرٌ فطر الله عليه عبادَه، ولا تتمُّ لذَّةُ المواقَعة إلا بالاطلاع عليها وإبرازها،

  1. (١) (ت، د، ق): «مثال».
  2. (٢) (ق): «نحو الأربع أصابع». وهو المريء، وإنما سمِّي بذلك لمروء الطعام فيه، وهو انسياغه، كما في «الكشاف» (١/ ٥٠٢). وفسِّر قوله: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ في أحد القولين بأنه: أسرعُ انحدارًا عن المَرِيء؛ لسهولته وخفَّته عليه. انظر: «زاد المعاد» (٤/ ٢٣١).
  3. (٣) (ن، ح): «الخساسة».
  4. (٤) (ق): «تناوله».
  5. (٥) البيت لعبد القاهر الجرجاني شيخ العربية، في «ربيع الأبرار» (٢/ ٦٧٥).
379

والتلطُّخ بالرطوبات المُسْتَقْذَرة المتولِّدة منها، ثمَّ إنَّ تمامها إنما يحصلُ بانفصال النطفة، وهي اللذَّةُ المقصودةُ من الوِقاع، وزمنُها يشبه الآنَ الذي لا ينقسم١؛ فصعوبةُ تلك المُزاوَلة والمُحاوَلة والمُطاوَلة والمُراوَضة٢ والتعب لأجل لذَّة لحظةٍ كمرِّ الطَّرف! فأيُّ مقايسةٍ بين هذه اللذَّة وبين التعب في طريق تحصيلها؟!

وهذا يدلُّ على أنَّ هذه اللذَّة ليست من جنس الخيرات والسعادات والكمال الذي خُلِقَ له العبد، ولا كمال له بدونه.

بل ثَمَّ أمرٌ وراء ذلك كلِّه قد هُيِّاء له العبدُ وهو لا يفطنُ له، فهو لغفلته عنه، وإعراضه عن التفتيش عليه حتى يَظْفَر بمعرفته، وعن التفتيش على طريقه حتى يَصِلَ إليه= يَسُومُ نفسَه مع الأنعام السَّائمة.

قد هيَّؤوك لأمرٍ لو فَطِنْتَ لهفاربأ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ٣

ومَوْقِعُ هذه اللذَّة من النفس كمَوْقِع لذَّة البراز٤ من رجلٍ احتبسَ في موضعٍ لا يمكنه القيامُ إلى الخلاء، وصار مضطرًّا إليه؛ فإنه يجدُ مشقَّةً شديدةً وبلاءً عظيمًا، فإذا تمكَّن من الذهاب إلى الخلاء وقَدَرَ على دفع ذلك

  1. (١) وهو الحدُّ الذي يتَّصلُ به آخرُ الزمان الماضي بأول الزمان المستقبل، بمنزلة النُّقطة التي يتَّصلُ بها الخطَّان حتى يصيرا واحدًا، فتكونُ النقطةُ مبدأً لأحد الخطَّين ومنتهًى للخطِّ الآخر. انظر: «شرح أدب الكاتب» للجواليقي (٥٧)، و«الكليات» (٨٢٧)، و«المعجم الفلسفي» (١/ ٢٨).
  2. (٢) (ت): «والمراوحة».
  3. (٣) آخرُ بيتٍ من لاميَّة الطُّغرائي المشهورة بلاميَّة العَجَم، في ديوانه (٣٠٩).
  4. (٤) البَراز: الفَضاءُ الواسع. وبالكسر: كنايةٌ عن الغائط. «الصحاح» (برز).
380

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي