مفتاح دار السعادة

فإنَّ القلبَ يجري مجرى مرآةٍ منصوبةٍ على جدار، وذلك الجدارُ مَمرٌّ لأنواع المُشْتَهَيات١ والملذوذات والمكروهات، فكلَّما مرَّ به شيءٌ من ذلك ظهرَ فيه أثرُه.

فإن كان محبوبًا مُشْتَهًى مال طبعُه إليه، فإن لم يقدر على تحصيله تألم وتعذَّبَ بفَقْده، وإن قدرَ على تحصيله تألم في طريق الحصول بالتعب والمشقَّة ومنازعة الغير له، ويتألم حال حصوله خوفًا من فراقه٢، وبعد فراقه حزنًا على ذهابه.

وإن كان مكروهًا له ولم يقدر على دفعه تألم بوجوده، وإن قدرَ على دفعه اشتغل بدفعه، ففاتته مصلحةٌ راجحةُ الحصول، فيتألم لفواتها.

فعُلِمَ أنَّ هذا القلبَ أبدًا مستغرقٌ في بحار الهموم والغموم والأحزان، وأنَّ نفسَه تضحكُ عليه وتُرضِّيه بوزن ذرَّةٍ من لذَّته٣، فيغيبُ بها عن شُهوده القناطيرَ من ألمه وعذابه.

فإذا حِيل بينه وبين تلك اللذَّة ولم يبقَ له إليها سبيل، تجرَّد ذلك الألمُ وأحاطَ به واستولى عليه من كلِّ جهاته، فقُلْ ما شئتَ في حال عبد قد غُيِّبَ عنه سَعْدُه وحظوظُه وأفراحُه، وأُحْضِرَ شِقْوتَه وهمومَه وغمومَه وأحزانَه. وبين العبد وبين هذه الحال أن يُكشفَ٤ الغطاء، ويُرفعَ الستر، وينجلي الغبار، ويحصَّل ما في الصدور.

  1. (١) (ت): «الشبهات». (ن): «المشتبهات».
  2. (٢) (ن): «فواته».
  3. (٣) (ح): «من لذة من لذته».
  4. (٤) (ق، د): «ينكشف».
382

فإذا كانت هذه غايةَ اللذَّات الحيوانيَّة، التي هي غايةُ جمع الأموال وطلبها، فما الظنُّ بقدر الوسيلة؟!

وأمَّا غِنى العلم والإيمان، فدائمُ اللذَّة، متَّصلُ الفرحة، مُقْتَضٍ لأنواع المسرَّة والبهجة، لا يزولُ فيُحْزِن، ولا يُفارقُ فيُؤلِم، بل أصحابُه كما قال الله تعالى فيهم: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].

السادس والثلاثون: أنَّ غنيَّ المال يبغضُ الموتَ ولقاءَ الله؛ فإنَّه لحبِّه مالَه يكرهُ مفارقتَه ويحبُّ بقاءه١ ليتمتَّع به، كما يشهدُ به الواقع.

وأمَّا العلمُ، فإنه يحبِّبُ للعبد لقاءَ ربِّه، ويزهِّدُه في هذه الحياة النَّكِدَة الفانية.

السابع والثلاثون: أنَّ الأغنياء يموتُ ذكرُهم بموتهم، والعلماءُ يموتون ويحيا ذكرُهم؛ كما قال أميرُ المؤمنين في هذا الحديث: «مات خُزَّانُ الأموال وهم أحياء، والعلماءُ باقون ما بقي الدهر»؛ فخُزَّانُ الأموال أحياءٌ كأموات، والعلماءُ بعد موتهم أمواتٌ كأحياء.

الثامن والثلاثون: أنَّ نسبةَ العلم إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن؛ فالروحُ ميتةٌ حياتُها بالعلم، كما أنَّ الجسدَ ميتٌ حياتُه بالروح، فالغِنى بالمال٢ غايتُه أن يزيد في حياة البدن، وأمَّا العلمُ فهو حياةُ القلوب والأرواح، كما تقدم تقريرُه.

التاسع والثلاثون: أنَّ القلبَ مَلِكُ البدن، والعلمَ زينتُه وعُدَّتُه ومالُه، وبه

  1. (١) (ق): «مقامه».
  2. (٢) (ق، ح، د، ن): «فالغنى والمال».
383

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي