مفتاح دار السعادة

بالتجارة١.

ومعاذَ الله من هذا الفهم، وخديجةُ أجلُّ قدرًا من تكلُّمها بهذا في هذا المقام العظيم، أن تقولَ لرسول الله ﷺ: أبشِر، فوالله لا يخزيك الله؛ إنك تَكْسِبُ الدرهمَ والدينار وتُحْسِنُ التجارة!

ومثلُ هذه التحريفات إنما تُذْكَرُ لئلَّا يُغْتَرَّ بها في تفسير كلام الله ورسوله.

والمقصودُ أنَّ قولَه: «العلمُ يُكْسِبُ العالمَ الطَّاعةَ في حياته»؛ أي: يجعلُه مطاعًا؛ لأنَّ الحاجةَ إلى العلم عامةٌ لكلِّ أحدٍ، الملوك فمن دونهم، فكلُّ أحدٍ محتاجٌ إلى طاعة العالِم، فإنه يأمرُ بطاعة الله ورسوله، فيجبُ على الخلق طاعتُه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].

وفُسِّرَ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ بالعلماء. قال ابن عباس: «هم الفقهاءُ والعلماءُ أهلُ الدِّين، الذين يعلِّمون الناسَ دينَهم، أوجبَ اللهُ تعالى طاعتَهم». وهذا قولُ مجاهد والحسن والضحَّاك وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد.

وفُسِّروا بالأمراء. وهو قولُ ابن زيد، وإحدى الروايتين عن ابن عباس وأحمد٢.

  1. (١) ذكر هذا المعنى ــ على رواية الفتح ــ السَّرَقُسْطِيُّ في «الدلائل في غريب الحديث» (١/ ٣٣٣)، وضعَّفه وغلَّطه النوويُّ في «شرح مسلم» (٢/ ٢٠١)، وانظر: «المفهم» (١/ ٣٧٩)، و«فتح الباري» (١/ ٣٤).
  2. (٢) انظر التعليق المتقدم (ص: ١٩٢).
386

والآيةُ تتناولهما جميعًا؛ فطاعةُ ولاة الأمر واجبةٌ إذا أمروا بطاعة الله ورسوله، وطاعةُ العلماء كذلك.

فالعالِمُ بما جاء به الرسولُ العاملُ به أطوعُ في أهل الأرض من كلِّ أحد، فإذا مات أحيا اللهُ ذكرَه، ونشرَ له في العالمين أحسنَ الثناء.

فالعالِمُ بعد وفاته ميتٌ وهو حيٌّ بين الناس، والجاهلُ في حياته حيٌّ وهو ميتٌ بين الناس، كما قيل:

وفي الجهلِ قبل الموتِ موتٌ لأهلهوأجسامُهم قبل القبور قبورُ
وأرواحُهم في وَحْشةٍ مِنْ جُسُومِهموليس لهم حتى النُّشورِ نُشورُ١

وقال آخر:

قد مات قومٌ وما ماتت مَكارِمُهموعاشَ قومٌ وهم في الناس أمواتُ٢

وقال آخر:

وما دام ذِكْرُ العبد بالفضل باقيًافذلك حيٌّ وهو في التُّرْبِ هالكُ٣

ومن تأمَّل أحوال أئمَّة الإسلام ــ كأئمَّة الحديث والفقه ــ كيف هم تحت التراب وهم في العالَمين كأنهم أحياءٌ بينهم، لم يَفْقِدُوا منهم إلا صُوَرهم، وإلا فذِكرُهم وحديثُهم والثناءُ عليهم غير منقطع، وهذه هي الحياةُ

  1. (١) مضى القولُ في تخريج البيتين (ص: ١٣٠).
  2. (٢) البيت للشافعي في «المنهج الأحمد» (١/ ٧١)، وعنه في ديوانه (٥٨)، ودون نسبة في «السلوك» للجندي (١/ ٤٢٠)، و«زهر الأكم» (١/ ٣٣٢).
  3. (٣) لم أعثر عليه.
387

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي