مفتاح دار السعادة

ومن هذا ما قيل: «إذا أكرمَك الناسُ لمالٍ أو سلطانٍ فلا يُعْجِبَنَّك ذلك؛ فإنَّ زوالَ الكرامة بزوالهما، ولكن لِيُعْجِبْك١ إن أكرموك لعلمٍ أو دين»٢.

وهذا أمرٌ لا يُنْكَرُ في الناس؛ حتى إنهم ليُكْرِمُون الرجلَ لثيابه، فإذا نزعها لم ير منهم تلك الكرامةَ وهو هو!

قال مالك: «بلغني أنَّ أبا هريرة دُعِيَ إلى وليمةٍ فأتى، فحُجِب، فرجعَ فلبسَ غير تلك الثِّياب، فأُدْخِل، فلمَّا وُضِعَ الطعامُ أدخلَ كمَّه في الطعام، فعُوتِبَ في ذلك، فقال: إنَّ هذه الثيابَ هي التي أُدخِلَت، فهي تأكُل». حكاه ابنُ مُزَين الطُّليطلي في «كتابه»٣.

وهذا بخلاف صنيعة العلم، فإنها لا تزولُ أبدًا، بل كلَّما لها٤ في زيادة، ما لم يُسْلَبْ ذلك العالِمُ علمَه.

وصنيعةُ العلم والدِّين أعظمُ من صنيعة المال؛ لأنها تكونُ بالقلب واللسان والجوارح، فهي صادرةٌ عن حبٍّ وإكرامٍ لأجل ما أودعه اللهُ تعالى

  1. (١) (د، ت، ق، ن): «ليعجبنك».
  2. (٢) قاله ابنُ المقفع في «الأدب الكبير» (١١٠). وعنه في «عيون الأخبار» (٢/ ١٢١)، و«الجامع» لابن عبد البر (١/ ٢٦٥)، وغيرها.
  3. (٣) انظر ما تقدم (ص: ٨٢) بشأن ابن مزين. والخبر لم أقف عليه. وأصلُ القصة مشهور، وقد وردت من حديث ابن عباس مرفوعًا، أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٧١٠٧)، ولا يثبت، وأخرجه معمر في «الجامع» (١١/ ٤٣٧، ٤٣٨) مرسلًا، وهو الصواب.
  4. (٤) (ت، ح، ن): «كل مالها». وهو تركيبٌ محدثٌ يفيد معنى الاستمرار. واستعمله المصنف في «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٥٧)، والذهبي في «تاريخ الإسلام» (١٥/ ٤٢٦)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (٩/ ٥٢٢)، وغيرهم، ولا زال مستعملًا. ويمكن أن تكون (ما) موصولة.
389

إياه من علمه وفَضَّلَه به على غيره.

وأيضًا؛ فصنيعةُ العلم تابعةٌ لنفس العالِم وذاته، وصنيعةُ المال تابعةٌ لماله المنفصل عنه.

وأيضًا؛ فصنيعةُ المال صنيعةُ معاوَضَة، وصنيعةُ العلم والدِّين صنيعةُ حبٍّ وتقرُّبٍ وديانة.

وأيضًا؛ فصنيعةُ المال تكونُ مع البَرِّ والفاجر، والمؤمن والكافر، وأمَّا صنيعةُ العلم والدِّين فلا تكونُ إلا مع أهل ذلك.

وقد يرادُ من هذا أيضًا معنًى آخر؛ وهو أنَّ من اصطنعتَ عنده صنيعةً بمالك، إذا زال ذلك المالُ وفارقه عَدِمت صنيعتك عنده، وأما من اصطنعتَ إليه صنيعةَ علمٍ وهدى فإنَّ تلك الصنيعةَ لا تفارقُه أبدًا، بل تُرى في كلِّ وقتٍ كأنك أسْدَيْتَها إليه حينئذ.

* قولُه: «مات خُزَّانُ الأموال وهم أحياء»؛ قد تقدَّم بيانُه.

* وكذلك قولُه: «والعلماءُ باقون ما بقي الدهر».

* وقولُه: «أعيانُهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة»؛ المرادُ بـ «أمثالهم» صُوَرهم العلميَّة، ووجودُهم المثاليُّ، أي: وإن فُقِدت ذواتُهم فصُوَرهم وأمثالُهم في القلوب لا تفارقُها، وهذا هو الوجودُ الذِّهنيُّ العلمي؛ لأنَّ محبة الناس لهم، واقتداءهم بهم، وانتفاعهم بعلومهم، يوجبُ أن لا يزالوا نُصْبَ عيونهم، وقبلة قلوبهم، فهم موجودون معهم، وحاضرون عندهم، وإن غابت عنهم أعيانُهم، كما قيل:

390

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي