مفتاح دار السعادة

إياه من علمه وفَضَّلَه به على غيره.

وأيضًا؛ فصنيعةُ العلم تابعةٌ لنفس العالِم وذاته، وصنيعةُ المال تابعةٌ لماله المنفصل عنه.

وأيضًا؛ فصنيعةُ المال صنيعةُ معاوَضَة، وصنيعةُ العلم والدِّين صنيعةُ حبٍّ وتقرُّبٍ وديانة.

وأيضًا؛ فصنيعةُ المال تكونُ مع البَرِّ والفاجر، والمؤمن والكافر، وأمَّا صنيعةُ العلم والدِّين فلا تكونُ إلا مع أهل ذلك.

وقد يرادُ من هذا أيضًا معنًى آخر؛ وهو أنَّ من اصطنعتَ عنده صنيعةً بمالك، إذا زال ذلك المالُ وفارقه عَدِمت صنيعتك عنده، وأما من اصطنعتَ إليه صنيعةَ علمٍ وهدى فإنَّ تلك الصنيعةَ لا تفارقُه أبدًا، بل تُرى في كلِّ وقتٍ كأنك أسْدَيْتَها إليه حينئذ.

* قولُه: «مات خُزَّانُ الأموال وهم أحياء»؛ قد تقدَّم بيانُه.

* وكذلك قولُه: «والعلماءُ باقون ما بقي الدهر».

* وقولُه: «أعيانُهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة»؛ المرادُ بـ «أمثالهم» صُوَرهم العلميَّة، ووجودُهم المثاليُّ، أي: وإن فُقِدت ذواتُهم فصُوَرهم وأمثالُهم في القلوب لا تفارقُها، وهذا هو الوجودُ الذِّهنيُّ العلمي؛ لأنَّ محبة الناس لهم، واقتداءهم بهم، وانتفاعهم بعلومهم، يوجبُ أن لا يزالوا نُصْبَ عيونهم، وقبلة قلوبهم، فهم موجودون معهم، وحاضرون عندهم، وإن غابت عنهم أعيانُهم، كما قيل:

390
ومِنْ عجبٍ أنِّي أحِنُّ إليهمُوأسألُ عنهم من لقيتُ وهم معي
وتَطْلُبهم عيني وهم في سَوادِهاويشتاقُهم قلبي وهم بين أضلُعِي١

وقال آخر:

ومِن عجبٍ أن يَشْكُوَ البعدَ عاشقٌوهل غاب عن قلب المُحِبِّ حبيبُ
خيالُك في عيني وذِكْرُك في فميومثواكَ في قلبي فأين تغيبُ٢

قولُه: «آه؛ إنَّ هاهنا علمًا ــ وأشار إلى صدره ــ»؛ يدلُّ على جواز إخبار الرجل بما عنده من العلم والخير ليُقْتَبَس منه، وليُنتَفَع به، ومنه قول يوسف الصِّدِّيق ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].

فمن أخبَر عن نفسه بمثل ذلك ليُكثِّر به ما يحبُّه الله ورسولُه من الخير فهو محمود، وهذا غير من أخبَر بذلك ليتكثَّر به عند الناس ويتعظَّم، وهذا يجازيه اللهُ بمَقْتِ الناس له، وصِغَرِه في أعينُهم، والأولُ يُكَبِّرُه في قلوبهم وعيونهم، وإنما الأعمالُ بالنيات.

وكذلك إذا أثنى الرجلُ على نفسه ليَخْلُصَ بذلك من مظلمةٍ وشرٍّ، أو

  1. (١) البيتان للقاضي الفاضل (ت: ٥٩٦) في «ديوانه» (٤٩٢). ونُسِبا لمِهْيار ــ وليسا في ديوانه ــ في «الحلة السيراء» (١/ ٢٠٤)، و«نفح الطيب» (٥/ ٤٧٦)، وفي الأول حكاية خلافٍ في ذلك. وهما في «الحماسة المغربية» (١٠٦٨) ومصادر أخرى كثيرة دون نسبة.
  2. (٢) الثاني لابن غلندو الإشبيلي (ت: ٥٨٧) في «إرشاد الأريب» (١١٩٤). ودون نسبة في «البديع» لابن منقذ (١١٤).
391

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي