مفتاح دار السعادة
ومِنْ عجبٍ أنِّي أحِنُّ إليهمُوأسألُ عنهم من لقيتُ وهم معي
وتَطْلُبهم عيني وهم في سَوادِهاويشتاقُهم قلبي وهم بين أضلُعِي١

وقال آخر:

ومِن عجبٍ أن يَشْكُوَ البعدَ عاشقٌوهل غاب عن قلب المُحِبِّ حبيبُ
خيالُك في عيني وذِكْرُك في فميومثواكَ في قلبي فأين تغيبُ٢

قولُه: «آه؛ إنَّ هاهنا علمًا ــ وأشار إلى صدره ــ»؛ يدلُّ على جواز إخبار الرجل بما عنده من العلم والخير ليُقْتَبَس منه، وليُنتَفَع به، ومنه قول يوسف الصِّدِّيق ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].

فمن أخبَر عن نفسه بمثل ذلك ليُكثِّر به ما يحبُّه الله ورسولُه من الخير فهو محمود، وهذا غير من أخبَر بذلك ليتكثَّر به عند الناس ويتعظَّم، وهذا يجازيه اللهُ بمَقْتِ الناس له، وصِغَرِه في أعينُهم، والأولُ يُكَبِّرُه في قلوبهم وعيونهم، وإنما الأعمالُ بالنيات.

وكذلك إذا أثنى الرجلُ على نفسه ليَخْلُصَ بذلك من مظلمةٍ وشرٍّ، أو

  1. (١) البيتان للقاضي الفاضل (ت: ٥٩٦) في «ديوانه» (٤٩٢). ونُسِبا لمِهْيار ــ وليسا في ديوانه ــ في «الحلة السيراء» (١/ ٢٠٤)، و«نفح الطيب» (٥/ ٤٧٦)، وفي الأول حكاية خلافٍ في ذلك. وهما في «الحماسة المغربية» (١٠٦٨) ومصادر أخرى كثيرة دون نسبة.
  2. (٢) الثاني لابن غلندو الإشبيلي (ت: ٥٨٧) في «إرشاد الأريب» (١١٩٤). ودون نسبة في «البديع» لابن منقذ (١١٤).
391

ليستوفي بذلك حقًّا له يحتاجُ فيه إلى التعريف بحاله، أو ليقطعَ عنه أطماعَ السِّفلَة فيه، أو عند خِطْبته إلى من لا يعرفُ حالَه.

والأحسنُ في هذا أن يوكِّل من يُعَرِّفُ به وبحاله؛ فإنَّ لسانَ ثناء المرء على نفسه قصير١، وهو في الغالب مذموم؛ لما يقترنُ به من الفخر والتعاظُم.

ثمَّ ذكرَ أصنافَ حملة العلم الذين لا يصلحونَ لحمله، وهم أربعة:

أحدُهم: من ليس هو بمأمونٍ عليه، وهو الذي أوتي ذكاءً وحفظًا، ولكن مع ذلك لم يؤتَ زكاءً؛ فهو يتخذُ العلمَ الذي هو آلةُ الدِّين آلةَ الدنيا، يَسْتَجْلِبُها به، ويتوسَّلُ بالعلم إليها، ويجعلُ البضاعةَ التي هي مُتَّجَرُ الآخرة مُتَّجَرَ الدنيا، وهذا غيرُ أمينٍ على ما حملَه من العلم، ولا يجعلُه اللهُ إمامًا فيه قطُّ؛ فإنَّ الأمينَ هو الذي لا غرض له ولا إرادة لنفسه إلا اتباع الحقِّ وموافقته، فلا يدعو إلى قيام رياسته ولا دنياه.

وهذا الذي قد اتَّخذ بضاعةَ الآخرة ومُتَّجَرها مُتَّجَرًا للدنيا قد خان اللهَ وخان عبادَه وخان دينَه، فلهذا كان٢ غير مأمونٍ عليه.

* وقولُه: «يَسْتَظْهِرُ بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده»؛ هذه صفةُ هذا الخائن؛ إذا أنعمَ اللهُ عليه استظهر بتلك النعمة على الناس، وإذا تعلَّم علمًا استظهر به على كتاب الله.

ومعنى استظهاره بالعلم على كتاب الله: تحكيمُه عليه وتقديمُه وإقامتُه

  1. (١) انظر السِّرَّ في ذلك في «الهوامل والشوامل» (٦٨، ١١٧، ٣٠٨).
  2. (٢) (ق، د، ح، ن): «قال». أي: علي ﵁.
392

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي