مفتاح دار السعادة

ومثالُ هذا: الدرهمُ الزائف؛ فإنه يغترُّ به الجاهلُ بالنقد، نظرًا إلى ما عليه من لباس الفضَّة، والناقدُ البصيرُ يجاوزُ نظرَه إلى ما وراء ذلك فيطَّلعُ على زيفه.

فاللفظُ الحسنُ الفصيحُ هو للشبهة بمنزلة اللباس من الفضَّة على الدرهم الزائف، والمعنى كالنحاس الذي تحته١.

وكم قد قتلَ هذا الاغترارُ من خلقٍ لا يحصيهم إلا الله!

وإذا تأمَّل العاقلُ الفَطِنُ هذا القَدْرَ وتدبَّره رأى أكثر الناس يقبَلُ المذهبَ والمقالةَ بلفظٍ، ويردُّها بعينها بلفظٍ آخر!، وقد رأيتُ أنا من هذا في كتب الناس ما شاء الله.

وكم قد رُدَّ من الحقِّ بتشنيعه بلباسٍ من اللفظ قبيح!

وفي مثل هذا قال أئمَّةُ السُّنَّة ــ منهم الإمامُ أحمد وغيره ــ: «لا نُزِيلُ عن الله صفةً من صفاته لأجل شَناعةٍ شُنِّعَت»٢. فهؤلاء الجهميةُ يسمُّون إثباتَ صفات الكمال لله ــ من حياته، وعلمه، وكلامه، وسمعه، وبصره، وسائر ما وصف به نفسَه ــ تشبيهًا وتجسيمًا، ومن أثبتَ ذلك مشبِّهًا؛ فلا يَنْفِرُ من هذا المعنى الحقِّ لأجل هذه التسمية الباطلة إلا العقولُ الصغيرةُ القاصرةُ

  1. (١) قال ابن تيمية في تائية ابن الفارض المشهورة: «نظَم فيها الاتحاد نظمًا رائق اللفظ، فهو أخبثُ من لحم خنزيرٍ في صينيةٍ من ذهب»!. «مجموع الفتاوى» (٤/ ٧٣). وانظر: «الصواعق المرسلة» (٤٣٦)، و«البيان والتبيُّن» (١/ ٢٥٤).
  2. (٢) انظر: «الإبانة» لابن بطة (٣/ ٣٢٦ ــ تتمة الرد على الجهمية)، و«إبطال التأويلات» (١/ ٤٤)، و«ذم التأويل» لابن قدامة (٢٢)، و«بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٤٣١، ٢/ ١٦٤)، و«درء التعارض» (٢/ ٣١).
396

خفافيشُ البصائر.

وكلُّ أهل نِحْلَةٍ ومقالةٍ يَكْسُونَ نِحْلَتهم ومقالتهم أحسنَ ما يقدرون عليه من الألفاظ، ومقالةَ مخالفيهم أقبحَ ما يقدرون عليه من الألفاظ١، ومن رزقه اللهُ بصيرةً فهو يكشفُ بها حقيقةَ ما تحت تلك الألفاظ من الحقِّ والباطل، ولا يغترُّ باللفظ، كما قيل في هذا المعنى:

تقولُ هذا جَنى النَّحْلِ٢ تمدحُهوإن تشأْ قلتَ ذا قيءُ الزَّنابيرِ
مدحًا وذمًّا وما جَاوزتَ وَصْفَهماوالحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبيرِ٣

فإذا أردتَ الاطلاعَ على كُنْه المعنى: هل هو حقٌّ أو باطل؟ فجرِّدْه من لباس العبارة، وجرِّدْ قلبك من النُّفرة والمَيْل، ثمَّ أَعْطِ النظرَ حقَّه، ناظرًا بعين الإنصاف، ولا تكن ممَّن ينظرُ في مقالة أصحابه ومن يحسِنُ ظنَّه به نظرًا تامًّا بكلِّ قلبه، ثمَّ ينظرُ في مقالة خصومه ومن يسيءُ ظنَّه به كنظر الشَّزْر والملاحظة.

فالناظرُ بعين العداوة يرى المحاسنَ مساواء، والناظرُ بعين المحبة عكسُه، وما سَلِمَ من هذا إلا من أراد الله كرامتَه وارتضاه لقبول الحقِّ، وقد قيل٤:

  1. (١) انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٣٤٤).
  2. (٢) كذا في الأصول. وروايةُ الديوان وكثيرٍ من المصادر: «مُجاج النحل».
  3. (٣) البيتان لابن الرومي في «ديوانه» (١١٤٤)، ولهما ثالث.
  4. (٤) البيت لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، في «الأغاني» (١٢/ ٢١٢)، و«الكامل» (٢٧٧)، و«عيون الأخبار» (٣/ ٧٦)، و«زهر الآداب» (١/ ٨٥)، وغيرها. وفي نسبته خلاف. انظر: «الواضح المبين» (٤٤).
397

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي