مفتاح دار السعادة

خفافيشُ البصائر.

وكلُّ أهل نِحْلَةٍ ومقالةٍ يَكْسُونَ نِحْلَتهم ومقالتهم أحسنَ ما يقدرون عليه من الألفاظ، ومقالةَ مخالفيهم أقبحَ ما يقدرون عليه من الألفاظ١، ومن رزقه اللهُ بصيرةً فهو يكشفُ بها حقيقةَ ما تحت تلك الألفاظ من الحقِّ والباطل، ولا يغترُّ باللفظ، كما قيل في هذا المعنى:

تقولُ هذا جَنى النَّحْلِ٢ تمدحُهوإن تشأْ قلتَ ذا قيءُ الزَّنابيرِ
مدحًا وذمًّا وما جَاوزتَ وَصْفَهماوالحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبيرِ٣

فإذا أردتَ الاطلاعَ على كُنْه المعنى: هل هو حقٌّ أو باطل؟ فجرِّدْه من لباس العبارة، وجرِّدْ قلبك من النُّفرة والمَيْل، ثمَّ أَعْطِ النظرَ حقَّه، ناظرًا بعين الإنصاف، ولا تكن ممَّن ينظرُ في مقالة أصحابه ومن يحسِنُ ظنَّه به نظرًا تامًّا بكلِّ قلبه، ثمَّ ينظرُ في مقالة خصومه ومن يسيءُ ظنَّه به كنظر الشَّزْر والملاحظة.

فالناظرُ بعين العداوة يرى المحاسنَ مساواء، والناظرُ بعين المحبة عكسُه، وما سَلِمَ من هذا إلا من أراد الله كرامتَه وارتضاه لقبول الحقِّ، وقد قيل٤:

  1. (١) انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٣٤٤).
  2. (٢) كذا في الأصول. وروايةُ الديوان وكثيرٍ من المصادر: «مُجاج النحل».
  3. (٣) البيتان لابن الرومي في «ديوانه» (١١٤٤)، ولهما ثالث.
  4. (٤) البيت لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، في «الأغاني» (١٢/ ٢١٢)، و«الكامل» (٢٧٧)، و«عيون الأخبار» (٣/ ٧٦)، و«زهر الآداب» (١/ ٨٥)، وغيرها. وفي نسبته خلاف. انظر: «الواضح المبين» (٤٤).
397
وعينُ الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌكما أنَّ عينَ السُّخْطِ تُبْدِي المساويا

وقال آخر١:

نظروا بعينِ عداوةٍ ولو انهاعينُ الرِّضا لاستحسَنوا ما استقبَحوا

فإذا كان هذا في نظر العين الذي يُدْرِكُ المحسوسات، ولا يتمكَّن من المكابرة فيها، فما الظنُّ بنظر القلب الذي يُدْرِكُ المعاني التي هي عُرْضةُ المكابرة؟!

والله المستعان على معرفة الحقِّ وقبوله، وردِّ الباطل وعدم الاغترار به.

* وقولُه: «بأول عارضٍ من شبهة»؛ هذا دليلٌ على ضعف عقله ومعرفته، إذ تؤثِّر فيه البَدَوات٢، وتستفزُّه أوائلُ الأمور، بخلاف الثابت التامِّ العقل٣، فإنه لا تستفزُّه البَدَواتُ ولا تُزْعِجُه وتُقْلِقُه؛ فإنَّ الباطل له دهشةٌ وروعةٌ في أوَّله، فإذا ثبت له القلبُ رُدَّ على عقبيه.

والله يحبُّ من عبده الحِلْمَ والأناة، فلا يَعْجَل، بل يثبتُ حتى يعلمَ ويَسْتَيْقِنَ ما وردَ عليه، ولا يَعْجَل بأمرٍ من قبل استحكامه، فالعجلةُ والطَّيشُ من الشيطان.

فمن ثبت عند صدمة البَدَوات استقبلَ أمره بعلمٍ وحزم، ومن لم يثبت لها استقبله بعجلةٍ وطيش، وعاقبتُه الندامة، وعاقبةُ الأول حَمْدُ أمره، ولكنَّ للأول آفةً متى قُرِنَت بالحزم والعزم نجا منها، وهي الفَوْت، فإنه لا يُخافُ

  1. (١) وهو الشريفُ الرضي، في ديوانه (١/ ٢٦٠).
  2. (٢) الآراء الطارئة. واحدُها: بَداة.
  3. (٣) (د، ق، ح، ن): «العاقل». تحريف.
398

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي