مفتاح دار السعادة
وعينُ الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌكما أنَّ عينَ السُّخْطِ تُبْدِي المساويا

وقال آخر١:

نظروا بعينِ عداوةٍ ولو انهاعينُ الرِّضا لاستحسَنوا ما استقبَحوا

فإذا كان هذا في نظر العين الذي يُدْرِكُ المحسوسات، ولا يتمكَّن من المكابرة فيها، فما الظنُّ بنظر القلب الذي يُدْرِكُ المعاني التي هي عُرْضةُ المكابرة؟!

والله المستعان على معرفة الحقِّ وقبوله، وردِّ الباطل وعدم الاغترار به.

* وقولُه: «بأول عارضٍ من شبهة»؛ هذا دليلٌ على ضعف عقله ومعرفته، إذ تؤثِّر فيه البَدَوات٢، وتستفزُّه أوائلُ الأمور، بخلاف الثابت التامِّ العقل٣، فإنه لا تستفزُّه البَدَواتُ ولا تُزْعِجُه وتُقْلِقُه؛ فإنَّ الباطل له دهشةٌ وروعةٌ في أوَّله، فإذا ثبت له القلبُ رُدَّ على عقبيه.

والله يحبُّ من عبده الحِلْمَ والأناة، فلا يَعْجَل، بل يثبتُ حتى يعلمَ ويَسْتَيْقِنَ ما وردَ عليه، ولا يَعْجَل بأمرٍ من قبل استحكامه، فالعجلةُ والطَّيشُ من الشيطان.

فمن ثبت عند صدمة البَدَوات استقبلَ أمره بعلمٍ وحزم، ومن لم يثبت لها استقبله بعجلةٍ وطيش، وعاقبتُه الندامة، وعاقبةُ الأول حَمْدُ أمره، ولكنَّ للأول آفةً متى قُرِنَت بالحزم والعزم نجا منها، وهي الفَوْت، فإنه لا يُخافُ

  1. (١) وهو الشريفُ الرضي، في ديوانه (١/ ٢٦٠).
  2. (٢) الآراء الطارئة. واحدُها: بَداة.
  3. (٣) (د، ق، ح، ن): «العاقل». تحريف.
398

من التثبُّت إلا الفَوْت، فإذا اقترنَ به العزمُ والحزمُ تمَّ أمرُه.

ولهذا في الدعاء الذي رواه الإمام أحمد والنسائيُّ عن النبيِّ ﷺ: «اللهم إني أسألُك الثباتَ في الأمر، والعزيمةَ على الرُّشد»١.

وهاتان الكلمتان هما جِماعُ الفلاح، وما أُتِيَ العبدُ إلا من تضييعهما أو تضييع أحدهما، فما أُتِيَ أحدٌ إلا من باب العجلة والطَّيش واستفزاز البَدَوات له، أو من باب التهاون والتماوُت وتضييع الفرصة بعد مُواتاتها، فإذا حصلَ الثبات أوَّلًا والعزم ثانيًا أفلحَ كلَّ الفلاح، والله وليُّ التوفيق.

الصنف الثالث: رجلٌ نَهْمَتُه في نيل لذَّته، فهو منقادٌ لداعي الشهوة أين كان، ولا ينالُ درجةَ وراثة النبوَّة مع ذلك، ولا ينالُ العلم إلا بهجر اللذَّات وتطليق الراحة.

قال مسلم في «صحيحه»٢: «قال يحيى بن أبي كثير: لا يُنالُ العلمُ براحة الجسم».

وقال إبراهيم الحربي: «أجمع عقلاءُ كلِّ أمَّةٍ أنَّ النعيمَ لا يُدْرَكُ بالنعيم، ومن آثر الراحةَ فاتته الراحة»٣.

  1. (١) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٣)، والترمذي (٣٤٠٧)، والنسائي (١٣٠٣)، وغيرهما من طرقٍ يقوِّي بعضُها بعضًا عن شداد بن أوسٍ.
    وصححه ابن حبان (٩٣٥، ١٩٧٤)، والحاكم (١/ ٥٠٨) ولم يتعقبه الذهبي. وانظر: «نتائج الأفكار» (٣/ ٧٧).
  2. (٢) (٦١٢). وانظر ما تقدم (ص: ٣٠٠).
  3. (٣) انظر: «قاعدة في المحبة» لابن تيمية (٢٠٧). ولعلَّ أصله ما في «تاريخ بغداد» (٦/ ٣٠). ولابن الجوزي كلامٌ في هذا المعنى. انظر: «الآداب الشرعية» (١/ ٢٤٢).
399

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي