مفتاح دار السعادة

فما لصاحب اللذَّات وما لدرجة وراثة الأنبياء!

فَدَعْ عنك الكتابةَ لست منهاولو سَوَّدْتَ وجهَك بالمِدادِ١

فإنَّ العلمَ صناعةُ القلب وشُغْلُه؛ فما لم يتفرَّغ لصناعته وشغله لم يَنلْها، وله وِجْهَةٌ واحدة؛ فإذا وُجِّهَت وِجْهَته إلى اللذَّات والشهوات انصرفَت عن العلم.

ومن٢ لم تغلِبْ٣ لذَّةُ إدراكه للعلم وشهوتُه على لذَّة جسمه وشهوة نفسه لم ينل درجةَ العلم أبدًا، فإذا صارت شهوتُه في العلم ولذَّتُه في إدراكه رُجِيَ له أن يكون من جملة أهله.

ولذَّةُ العلم لذَّةٌ عقليَّةٌ روحانيَّةٌ من جنس لذَّة الملائكة، ولذَّةُ شهوات الأكل والشراب والنكاح لذَّةٌ حيوانيَّةٌ يشاركُ الإنسانَ فيها الحيوان، ولذَّةُ الشرِّ والظلم والفساد والعلوِّ في الأرض شيطانيَّةٌ يشاركُ صاحبَها فيها إبليسُ وجنودُه.

وسائرُ اللذَّات تبطلُ بمفارقة الروح البدن، إلا لذَّةُ العلم والإيمان، فإنها تَكْمُلُ بعد المفارقة؛ لأنَّ البدنَ وشواغلَه كان يَنْقُصها ويقلِّلها ويحجُبها، فإذا انطوت الروحُ عن البدن التذَّت لذَّةً كاملةً بما حصَّلته من العلم النافع والعمل الصالح؛ فمن طلب اللذَّةَ العظمى، وآثر النعيمَ المقيم، فهو في العلم والإيمان اللذَين بهما كمالُ سعادة الإنسان.

  1. (١) ثاني بيتين في «أدب الكتاب» للصولي (١٧١)، و«حماسة الظرفاء» (٢/ ١٠٨)، و«العقد» (٤/ ١٧١، ٦/ ١٣٣)، وغيرها، دون نسبة.
  2. (٢) (ح): «وما». وهي ساقطة من (ت).
  3. (٣) (د): «يغلب». وهي بتشديد اللام ونصب «لذة» قراءةٌ جيدة.
400

وأيضًا؛ فإنَّ تلك اللذَّات سريعةُ الزوال، وإذا انقضت أعقَبَت همًّا وغمًّا وألمًا يحتاجُ صاحبُها أن يداويه بمثلها دفعًا لألمه، وربَّما كان معاودتُه لها مؤلمًا له كريهًا إليه، لكن يَحْمِلُه عليه مداواةُ ذلك الغمِّ والهمِّ.

فأين هذا من لذَّة العلم، ولذَّة الإيمان بالله، ومحبَّته، والإقبال عليه، والتنعُّم بذكره؟! فهذه هي اللذَّةُ الحقيقية.

الصنفُ الرابع: مَنْ حرصُه وهِمَّتُه في جمع الأموال وتثميرها وادِّخارها، فقد صارت لذَّتُه في ذلك، وفَنِيَ بها عمَّا سواه، فلا يرى شيئًا أطيبَ له ممَّا هو فيه، فأين هذا ودرجةُ العلم؟!

فهؤلاء الأصنافُ الأربعةُ ليسوا من دعاة الدِّين، ولا من أئمَّة العلم، ولا من طلبته الصادقين في طلبه، ومن تعلَّق منهم بشيءٍ منه فهو من المتسلِّقين عليه، المتشبِّهين بحَمَلته وأهله، المدَّعين لوصاله، المبتُوتين من حِباله.

وفتنةُ هؤلاء فتنةٌ لكلِّ مفتون؛ فإنَّ الناسَ يتشبَّهون بهم؛ لِمَا يظنُّون عندهم من العلم، ويقولون: «لسنا خيرًا منهم، ولا نرغبُ بأنفسنا عنهم»؛ فهم حجَّةٌ لكلِّ مفتون، ولهذا قال فيهم بعضُ الصحابة الكرام: «احذروا فتنةَ العالِم الفاجر والعابد الجاهل؛ فإنَّ فتنتَهما فتنةٌ لكلِّ مفتون»١.

* وقولُه: «أقربُ شبهًا بهم الأنعامُ السائمة»؛ هذا التشبيه مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، فما اقتصر سبحانه

  1. (١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائده على «الزهد» لابن المبارك (٧٥)، وأحمد في «العلل» (٣/ ١١٨ - رواية عبد الله)، وابن أبي حاتم في «تقدمة الجرح والتعديل» (٨٨)، وغيرهم عن سفيان الثوري قال: «كان يقال ...» فذكره.
    وأخرجه البيهقي في «المدخل» (٤٤٣) عن الشعبي.
401

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي