مفتاح دار السعادة

بالمكلَّفين وانقطاع حجَّتهم عن الله١.

فيا لله العجب! أيُّ لُطْفٍ حصل بهذا المعدوم، لا المعصوم؟!٢ وأيُّ حجَّةٍ أثبتُّم للخلق على ربهم بأصلكم الباطل؟! فإنَّ هذا المعدومَ إذا لم يكن لهم سبيلٌ قطُّ إلى لقائه والاهتداء به، فهل في تكليف ما لا يطاقُ أبلغُ من هذا؟! وهل في العذر والحجَّة أبلغُ من هذا؟!

فالذي فررتم منه وقعتم في شرٍّ منه، وكنتم في ذلك كما قيل:

المستجيرُ بعمرٍو عند كُرْبتهكالمستجير من الرَّمضاءِ بالنارِ٣

ولكن أبى اللهُ إلا أن يفضحَ من تنقَّصَ بالصحابة الأخيار وبسادة هذه الأمَّة، وأن يُرِيَ الناسَ عورتَه ويُغْرِيه بكشفها. ونعوذُ بالله من الخذلان.

ولقد أحسن القائل:

ما آنَ للسِّرداب أن يَلِدَ الذيحمَّلتمُوه٤ بزعمكم ما آنا
فعلى عقولكم العَفاءُ فإنَّكمثَلَّثتُم العَنْقاءَ والغِيلانا٥
  1. (١) انظر: «النكت الاعتقادية» للمفيد (٤٤ - ٤٥). وراجع: «أصول مذهب الشيعة» للقفاري (٢/ ٧٨٩).
  2. (٢) (ح): «بهذا المعدوم المعصوم».
  3. (٣) بيتٌ سائرٌ مشهور، في عامة كتب الأمثال، تمثَّل به أبو نجدة لُجَيْم بن سعد، في «الأغاني» (٢٣/ ٢١٩)، فنسبه إليه بعضهم، وهو وهم، وورد في كثيرٍ من المصادر دون نسبة، وقال العباسي في «معاهد التنصيص» (٤/ ٢٠١): «لا أعرف قائله».
  4. (٤) كذا في الأصول. وفي بعض المصادر: «كلمتموه».
  5. (٥) تنسبُ الشيعةُ البيتين لابن حجر الهيتمي (ت: ٩٧٣)، ولهم عليه ردود. انظر: «الكنى والألقاب» للقُمِّي (١/ ٢٦٢)، و«الذريعة إلى تصانيف الشيعة» (١٠/ ١٧٧، ٢٠/ ١١٠). وذلك أنه استشهد بهما في «الصواعق المحرقة» (٢/ ٤٨٣)، وقد اكتوى به القوم، واستشهد بهما المصنف هنا وفي «المنار المنيف» (١١٩)، وهو قبل الهيتميِّ بدهر.
406

ولقد بطلت حججٌ استُودِعَها مثلُ هذا الغائب، وضاعت أعظمَ ضياع، فأنتم أبطلتم حججَ الله من حيث زعمتم حِفْظَها!

وهذا تصريحٌ من أمير المؤمنين ﵁ بأنَّ حاملَ حجج الله لابدَّ أن يكون في الأرض، بحيث يؤدِّيها عن الله، ويبلِّغها إلى عباده، مثلُه ﵁، ومثلُ إخوانه من الخلفاء الراشدين ومن اتبعهم إلى يوم القيامة.

* وقولُه: «لكيلا تبطُل حججُ الله وبيِّناتُه»؛ أي: لكيلا تذهبَ من بين أيدي الناس، وتبطُل من صدورهم، وإلا فالبطلانُ محالٌ عليها؛ لأنها ملزومُ ما يستحيلُ عليه البطلان.

فإن قيل: فما الفرقُ بين الحجج والبيِّنات؟

قيل: الفرقُ بينهما أنَّ الحججَ هي الأدلَّةُ العلميةُ التي يَعْقِلُها القلب، وتَسْتَمِعُها الأذن١.

قال تعالى في مناظرة إبراهيم لقومه، وتبيينه بطلانَ ما هم عليه بالدليل العلمي: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]، قال ابن زيد٢: «بعلم الحجَّة».

وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]،

  1. (١) (د، ح): «وتسمع بالأذن». (ق، ن): «وتسمع بالآذان».
  2. (٢) كذا في الأصول. وتقدم (ص: ١٣٩) عن أبيه زيد بن أسلم.
407

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي