مفتاح دار السعادة

وبعضها خوضٌ فيما لا يتعلَّقُ بالدِّين، ولم يكن شيءٌ منه مألوفًا في العصر الأول١، ولكن تغيَّر الآن حكمُه إذ حدثت البدعُ الصارفةُ عن مقتضى القرآن والسنَّة، فلفَّقتْ لها شبهًا، ورتَّبتْ لها كلامًا مؤلَّفًا٢، فصار ذلك المحظورُ بحكم الضرورة مأذونًا فيه».

وقال الرازي في كتابه «أقسام اللذَّات»٣: «لقد تأمَّلتُ الكتبَ الكلاميَّة، والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتُها تروي غليلًا ولا تشفي عليلًا، ورأيتُ أقرب الطرق طريقةَ القرآن، اقرأ٤ في الإثبات: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ومن جَرَّبَ مثل تجربتي عرف مثل معرفتي»٥.

وهذا الذي أشار إليه بحسب ما فُتِحَ له من دلالة القرآن بطريق الخبر، وإلا فدلالتُه البرهانيةُ العقليةُ التي يشيرُ إليها ويرشدُ إليها، فتكونُ دليلًا سمعيًّا عقليًّا= أمرٌ تميَّز به القرآنُ وصار العالِمُ به من الراسخين في العلم، وهو العلمُ الذي يطمئنُّ إليه القلب، وتَسْكُنُ عنده النفس، ويزكو به العقل، وتستنيرُ به البصيرة، وتقوى به الحجَّة، ولا سبيل لأحدٍ من العالمين إلى قطع

  1. (١) في «الإحياء» زيادة: «وكان الخوض فيه بالكلية من البدع».
  2. (٢) في «الإحياء»: «ونبعَت جماعةٌ فلفقوا لها شبهًا ورتبوا فيها كلامًا مؤلفًا».
  3. (٣) [(ص: ٢٦٣) باختلاف يسير، وكذا نقله شيخ الإسلام في مواضع، ولعله نقلٌ بالمعنى أو من نسخة أخرى].
  4. (٤) وتصح قراءتها: «أقرأُ». للمتكلِّم.
  5. (٥) انظر: «تاريخ الإسلام» (١٣/ ١٤٢، ١٤٤)، و«السير» (٢١/ ٥٠١)، و«طبقات الشافعية» للسبكي (٨/ ٩١)، ولابن قاضي شهبة (٢/ ٨٢).
410

من حاجَّ به، بل من خاصمَ به فَلَجَتْ حجَّتُه١، وكسرَ شبهةَ خصمه، وبه فُتِحَت القلوب، واستُجِيبَ لله ورسوله، ولكنَّ أهل هذا العلم لا تكادُ الأعصارُ تَسْمَحُ منهم إلا بالواحد بعد الواحد.

فدلالةُ القرآن سمعيةٌ عقلية، قطعيةٌ يقينية، لا تعترضُها الشبهات، ولا تتداولها الاحتمالات، ولا ينصرفُ القلبُ عنها بعد فهمها أبدًا.

وقال بعضُ المتكلِّمين: أفنيتُ عمري في الكلام أطلبُ الدليل، وإذا أنا لا أزدادُ إلا بعدًا عن الدليل، فرجعتُ إلى القرآن أتدبَّره وأتفكَّر فيه، وإذا أنا بالدليل حقًّا معي وأنا لا أشعرُ به، فقلت: والله ما مثلي إلا كما قال القائل:

ومن العجائب والعجائبُ جمَّةٌقُرْبُ الحبيب وما إليه وصولُ
كالعِيسِ في البيداءِ يقتلها الظَّماوالماءُ فوق ظهورها محمولُ٢

قال: فلمَّا رجعتُ إلى القرآن إذا هو الحكمُ والدليل، ورأيتُ فيه من أدلَّة الله وحججه وبراهينه وبيِّناته ما لو جُمِعَ كلُّ حقٍّ قاله المتكلِّمون في كتبهم لكانت سورةٌ من سور القرآن وافيةً بمضمونه، مع حُسْن البيان، وفصاحة اللفظ، وتطبيق المَفْصِل٣، وحُسْن الاحتراز، والتنبيه على مواقع الشُّبه، والإرشاد إلى جوابها، وإذا هو كما قيل ــ بل فوق ما قيل ــ:

  1. (١) انتصَرَت وغَلَبَت. والفَلْجُ: الظَّفر والفوز. «اللسان» (فلج).
  2. (٢) البيت الثاني لأبي العلاء في «سقط الزند» (٢/ ٨٧٨، ٨٨٠) باختلافٍ يسير. وضمَّنه القاضي الفاضل (ت: ٥٩٦). انظر: «الروضتين» (٢/ ٣٥٧). ودون نسبة في مصادر كثيرة.
  3. (٣) أي: إصابة الحجَّة. وأصلُه من: طبَّق السيفُ، إذا أصاب المَفْصِل، فأبان العضو. «الصحاح» (طبق).
411

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي