مفتاح دار السعادة

* وقولُه: «بهم يدفعُ اللهُ عن حججه، حتى يؤدُّوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم»؛ وهذا لأنَّ الله سبحانه ضَمِنَ حفظَ حججه وبيِّناته، وأخبر رسولُه ﷺ أنه لا تزالُ طائفةٌ من أمَّته على الحقِّ، لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة١.

فلا يزالُ غَرْسُ الله الذين غرَسهم في دينه يَغْرِسونَ العلمَ في قلوب من أهَّلَهم اللهُ لذلك وارتضاهم؛ فيكونوا٢ ورثةً لهم كما كانوا هم ورثةً لمن قبلهم، فلا تنقطعُ حججُ الله والقائمُ بها٣ من الأرض.

وفي الأثر٤ المشهور: «لا يزالُ اللهُ يَغْرِسُ في هذا الدِّين غَرْسًا يستعملُهم بطاعته»٥.

وكان من دعاء بعض من تقدَّم: «اللهمَّ اجعلني من غَرْسِك الذين تستعملُهم بطاعتك».

ولهذا ما أقامَ اللهُ لهذا الدِّين من يحفظُه ثم قبضه إليه إلا وقد زرع ما عَلِمَه من العلم والحكمة؛ إمَّا في قلوب أمثاله، وإمَّا في كتبٍ ينتفعُ بها الناسُ بعده.

وبهذا وغيره فَضَلَ العلماءُ العُبَّادَ؛ فإنَّ العالِم إذا زرع علمَه عند غيره ثمَّ مات جرى عليه أجرُه، وبقي له ذِكرُه، وهو عمرٌ ثانٍ وحياةٌ أخرى، وذلك

  1. (١) حديث متواتر، تقدم الكلام عليه (ص: ٤٠٣).
  2. (٢) كذا في الأصول، بلا ناصب أو جازم.
  3. (٣) (ت، ق): «والقيام بها». (د): «القائم»، وفي طرتها: «لعله: القيام».
  4. (٤) (ت): «الخبر».
  5. (٥) تقدم تخريجه (ص: ٤٠٤).
416

أحقُّ ما تنافسَ فيه المتنافسون ورَغِبَ فيه الراغبون.

* وقولُه: «هجَم بهم العلمُ على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعره المُتْرفون وأَنِسُوا بما استوحش منه الجاهلون».

الهجومُ على الرجل: الدخولُ عليه بلا استئذان.

ولما كانت طريقُ الآخرة وعرةً على أكثر الخلق؛ لمخالفتها لشهواتهم ومباينتها لإراداتهم ومألوفاتهم= قلَّ سالكوها، وزهَّدهم فيها١ قلَّةُ علمهم ــ أو عدمُه ــ بحقيقة الأمر وعاقبة العباد٢ ومصيرهم وما هُيِّئوا له وهُيِّاء لهم؛ فقلَّ علمُهم بذلك، واستلانوا مركبَ الشهوة والهوى على مركب الإخلاص والتقوى، وتوعَّرت عليهم الطريق، وبَعُدَت الشُّقَّة، وصَعُبَ عليهم مرتقى عِقابها وهبوطُ أوديتها وسلوكُ شعابها، فأخلدوا إلى الدَّعة والراحة، وآثروا العاجلَ على الآجل، وقالوا: عَيْشُنا اليوم نَقْدٌ وموعودُنا٣ نسيئة٤.

فنظروا إلى عاجل الدنيا، وأغمضوا العيونَ عن آجلها، ووقفوا مع ظاهرٍ منها، ولم يتأمَّلوا باطنَها، وذاقوا حلاوةَ مَبادِيها، وغاب عنهم مرارةُ عواقبها، ودَرَّ لهم ثَدْيُها فطابَ لهم الارتضاع، واشتغلوا به عن التفكُّر في الفطام ومرارة الانقطاع، وقال مغترُّهم بالله وجاحدُهم لعظمته وربوبيَّته ــ متمثِّلًا في ذلك ــ:

  1. (١) ساقطة من (ت).
  2. (٢) (ت): «المعاد».
  3. (٣) (ح، ت): «وموعدنا».
  4. (٤) انظر: «تلبيس إبليس» (٣٤٥)، و«الداء والدواء» (٧٩).
417

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي