أحقُّ ما تنافسَ فيه المتنافسون ورَغِبَ فيه الراغبون.
* وقولُه: «هجَم بهم العلمُ على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعره المُتْرفون وأَنِسُوا بما استوحش منه الجاهلون».
الهجومُ على الرجل: الدخولُ عليه بلا استئذان.
ولما كانت طريقُ الآخرة وعرةً على أكثر الخلق؛ لمخالفتها لشهواتهم ومباينتها لإراداتهم ومألوفاتهم= قلَّ سالكوها، وزهَّدهم فيها١ قلَّةُ علمهم ــ أو عدمُه ــ بحقيقة الأمر وعاقبة العباد٢ ومصيرهم وما هُيِّئوا له وهُيِّاء لهم؛ فقلَّ علمُهم بذلك، واستلانوا مركبَ الشهوة والهوى على مركب الإخلاص والتقوى، وتوعَّرت عليهم الطريق، وبَعُدَت الشُّقَّة، وصَعُبَ عليهم مرتقى عِقابها وهبوطُ أوديتها وسلوكُ شعابها، فأخلدوا إلى الدَّعة والراحة، وآثروا العاجلَ على الآجل، وقالوا: عَيْشُنا اليوم نَقْدٌ وموعودُنا٣ نسيئة٤.
فنظروا إلى عاجل الدنيا، وأغمضوا العيونَ عن آجلها، ووقفوا مع ظاهرٍ منها، ولم يتأمَّلوا باطنَها، وذاقوا حلاوةَ مَبادِيها، وغاب عنهم مرارةُ عواقبها، ودَرَّ لهم ثَدْيُها فطابَ لهم الارتضاع، واشتغلوا به عن التفكُّر في الفطام ومرارة الانقطاع، وقال مغترُّهم بالله وجاحدُهم لعظمته وربوبيَّته ــ متمثِّلًا في ذلك ــ:
وأمَّا القائمون لله بحجَّته، خلفاءُ نبيِّه في أمَّته، فإنهم لكمال علمهم وقوَّته نَفَذ بهم إلى حقيقة الأمر، وهجمَ بهم عليه، فعاينوا ببصائرهم ما عَشَتْ عنه٢ بصائرُ الجاهلين، فاطمأنَّت قلوبُهم به، وعملوا على الوصول إليه؛ لِمَا باشرها مِنْ رَوْح اليقين٣.
رُفِعَ لهم عَلَمُ السعادة فشمَّروا إليه، وأسْمَعهم منادي الإيمان النداءَ فاستبقوا إليه، واستيقنت أنفسُهم ما وعدهم به ربُّهم فزهدوا فيما سواه ورغبوا فيما لديه.
علموا أنَّ الدنيا دارُ ممرٍّ لا دارُ مقرّ، ومنزلُ عبورٍ لا مقعد حبور، وأنها خيالُ طَيْفٍ أو سحابةُ صَيْف، وأنَّ مَنْ فيها كراكبٍ قال تحت ظلِّ شجرةٍ ثمَّ راح عنها وتركها، وتيقَّنوا أنها:
أحلامُ نومٍ أو كظلٍّ زائلٍإنَّ اللبيبَ بمثلها لا يُخْدَعُ٤
وأنَّ واصفَها صدق في وصفها إذ يقول:
أرى أشقياءَ الناس لا يسأمونهاعلى أنهم فيها عراةٌ وجُوَّعُ
(١) صدرُ بيتٍ للمتنبي، في ديوانه (٣٣٠)، وعجُزه: * في طلعة البدر ما يغنيك عن زُحَلِ *