مفتاح دار السعادة

* خُذ ما تراهُ ودَع شيئًا سمعتَ به *١

وأمَّا القائمون لله بحجَّته، خلفاءُ نبيِّه في أمَّته، فإنهم لكمال علمهم وقوَّته نَفَذ بهم إلى حقيقة الأمر، وهجمَ بهم عليه، فعاينوا ببصائرهم ما عَشَتْ عنه٢ بصائرُ الجاهلين، فاطمأنَّت قلوبُهم به، وعملوا على الوصول إليه؛ لِمَا باشرها مِنْ رَوْح اليقين٣.

رُفِعَ لهم عَلَمُ السعادة فشمَّروا إليه، وأسْمَعهم منادي الإيمان النداءَ فاستبقوا إليه، واستيقنت أنفسُهم ما وعدهم به ربُّهم فزهدوا فيما سواه ورغبوا فيما لديه.

علموا أنَّ الدنيا دارُ ممرٍّ لا دارُ مقرّ، ومنزلُ عبورٍ لا مقعد حبور، وأنها خيالُ طَيْفٍ أو سحابةُ صَيْف، وأنَّ مَنْ فيها كراكبٍ قال تحت ظلِّ شجرةٍ ثمَّ راح عنها وتركها، وتيقَّنوا أنها:

أحلامُ نومٍ أو كظلٍّ زائلٍإنَّ اللبيبَ بمثلها لا يُخْدَعُ٤

وأنَّ واصفَها صدق في وصفها إذ يقول:

أرى أشقياءَ الناس لا يسأمونهاعلى أنهم فيها عراةٌ وجُوَّعُ
  1. (١) صدرُ بيتٍ للمتنبي، في ديوانه (٣٣٠)، وعجُزه:
    * في طلعة البدر ما يغنيك عن زُحَلِ *
  2. (٢) العَشَى: سوءُ البصر. وخصَّه بعضُهم بالليل. «اللسان» (عشا).
  3. (٣) (ت): «عين اليقين».
  4. (٤) البيت لعمران بن حطان، في «روضة العقلاء» (٣٠١)، و«تاريخ دمشق» (٤٣/ ٤٩٨)، و«الخزانة» (٥/ ٣٦١)، وغيرها.
418
أراها وإن كانت تُحَبُّ فإنهاسحابةُ صَيْفٍ عن قليلٍ تَقَشَّعُ١

فترحَّلَت عن قلوبهم مدبرةً كما ترحَّلَت عن أهلها مُوَلِّية، وأقبلت الآخرةُ إلى قلوبهم مسرعةً كما أسرعَت إلى الخلق مقبلة، فامتطوا ظهورَ العزائم، وهجروا لذَّة المنام، وما ليلُ المحبِّ بنائم.

عَلِموا طولَ الطريق وقلَّة المُقام في منزل التزوُّد فسارعوا في الجَهاز، وجَدَّ بهم السيرُ إلى منازل الأحباب فقطعوا المراحلَ وطووا المفاوز٢.

وهذا كلُّه من ثمرات اليقين؛ فإنَّ القلب إذا استيقنَ ما أمامه من كرامة الله وما أعدَّ لأوليائه ــ بحيث كأنه ينظرُ إليه من وراء حجاب الدنيا، ويعلمُ أنه إذا زال الحجابُ رأى ذلك عيانًا ــ زالت عنه الوحشةُ التي يجدُها المتخلِّفون، ولانَ له ما استوعره المترفون.

وهذه المرتبةُ هي أولُ مراتب اليقين؛ وهي علمُه وتيقُّنه، وهي انكشافُ المعلوم للقلب، بحيث يشاهدُه ولا يشكُّ فيه، كانكشاف المرئيِّ للبصر.

ثمَّ تليها المرتبةُ الثانية؛ وهي مرتبةُ عين اليقين، ونسبتُها إلى العين كنسبة الأول إلى القلب.

ثمَّ تليها المرتبةُ الثالثة؛ وهي حقُّ اليقين، وهي مباشرةُ المعلوم وإدراكُه الإدراكَ التام.

فالأولى كعلمك بأنَّ في هذا الوادي ماءً، والثانيةُ كرؤيته، والثالثةُ

  1. (١) البيتان لعمران بن حطان ــ أيضًا ــ، من مقطعةٍ أخرى في «الزهد» لابن أبي الدنيا (٢١٩)، وفي «ديوان شعر الخوارج» (١٧٣) مزيد تخريج.
  2. (٢) كذا في الأصول. ولعلها محرفة عن: المفاز. وهو المفازة. ليستقيم السجع.
419

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي