مفتاح دار السعادة
أراها وإن كانت تُحَبُّ فإنهاسحابةُ صَيْفٍ عن قليلٍ تَقَشَّعُ١

فترحَّلَت عن قلوبهم مدبرةً كما ترحَّلَت عن أهلها مُوَلِّية، وأقبلت الآخرةُ إلى قلوبهم مسرعةً كما أسرعَت إلى الخلق مقبلة، فامتطوا ظهورَ العزائم، وهجروا لذَّة المنام، وما ليلُ المحبِّ بنائم.

عَلِموا طولَ الطريق وقلَّة المُقام في منزل التزوُّد فسارعوا في الجَهاز، وجَدَّ بهم السيرُ إلى منازل الأحباب فقطعوا المراحلَ وطووا المفاوز٢.

وهذا كلُّه من ثمرات اليقين؛ فإنَّ القلب إذا استيقنَ ما أمامه من كرامة الله وما أعدَّ لأوليائه ــ بحيث كأنه ينظرُ إليه من وراء حجاب الدنيا، ويعلمُ أنه إذا زال الحجابُ رأى ذلك عيانًا ــ زالت عنه الوحشةُ التي يجدُها المتخلِّفون، ولانَ له ما استوعره المترفون.

وهذه المرتبةُ هي أولُ مراتب اليقين؛ وهي علمُه وتيقُّنه، وهي انكشافُ المعلوم للقلب، بحيث يشاهدُه ولا يشكُّ فيه، كانكشاف المرئيِّ للبصر.

ثمَّ تليها المرتبةُ الثانية؛ وهي مرتبةُ عين اليقين، ونسبتُها إلى العين كنسبة الأول إلى القلب.

ثمَّ تليها المرتبةُ الثالثة؛ وهي حقُّ اليقين، وهي مباشرةُ المعلوم وإدراكُه الإدراكَ التام.

فالأولى كعلمك بأنَّ في هذا الوادي ماءً، والثانيةُ كرؤيته، والثالثةُ

  1. (١) البيتان لعمران بن حطان ــ أيضًا ــ، من مقطعةٍ أخرى في «الزهد» لابن أبي الدنيا (٢١٩)، وفي «ديوان شعر الخوارج» (١٧٣) مزيد تخريج.
  2. (٢) كذا في الأصول. ولعلها محرفة عن: المفاز. وهو المفازة. ليستقيم السجع.
419

كالشُّرب منه١.

ومن هذا ما يروى في حديث حارثة وقول النبيِّ ﷺ: «كيف أصبحتَ يا حارثة؟» قال: أصبحتُ مؤمنًا حقًّا، قال: «إنَّ لكلِّ قولٍ حقيقة، فما حقيقةُ إيمانك؟» قال: عزفَت نفسي عن الدنيا وشهواتها، فأسهرتُ ليلي وأظمأتُ نهاري، وكأني أنظرُ إلى عرش ربِّي بارزًا، وكأني أنظرُ إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوَوْن فيها، فقال: «عبدٌ نوَّر اللهُ قلبه»٢.

فهذا هو هجومُ العلم بصاحبه على حقيقة الأمر، ومن وصل إلى هذا استلانَ ما يستوعرُه المترفون، وأَنِسَ بما يستوحشُ منه الجاهلون، ومن لم يثبت قدمُ إيمانه على هذه الدرجة فهو إيمانٌ ضعيف.

وعلامةُ هذا: انشراحُ الصدر لمنازل الإيمان، وانفساحُه، وطمأنينةُ القلب لأمر الله، والإنابةُ إلى ذكر الله، ومحبَّته، والفرح بلقائه، والتجافي عن

  1. (١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦٤٥)، و«مدارج السالكين» (٢/ ٤٠٣)، و«أيمان القرآن» (٢٨٤).
  2. (٢) أخرجه عبد بن حميد في «المسند» (٤٤٥ - منتخبه)، والطبراني في «الكبير» (٣/ ٢٦٦)، وغيرهما من حديث الحارث بن مالك الأنصاري بإسنادٍ ضعيف.
    ورُوِي من وجوهٍ أخرى معضلًا ومرسلًا وموصولًا.
    قال العقيلي: «ليس لهذا الحديث إسنادٌ يثبت»، وقال ابن صاعد: «هذا الحديثُ لا يثبتُ موصولًا»، وقال ابن تيمية: «رُوِي مسندًا من وجهٍ ضعيفٍ لا يثبت»، وقال ابن رجب: «والمرسلُ أصح».
    انظر: «الضعفاء» (٤/ ٤٥٥)، و«الإصابة» (١/ ٥٩٧)، و«الاستقامة» (١/ ١٩٤)، و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٦٩)، و«جامع العلوم والحكم» (٧٩)، و«التخويف من النار» (٣٣).
420

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي