ومن هذا ما يروى في حديث حارثة وقول النبيِّ ﷺ: «كيف أصبحتَ يا حارثة؟» قال: أصبحتُ مؤمنًا حقًّا، قال: «إنَّ لكلِّ قولٍ حقيقة، فما حقيقةُ إيمانك؟» قال: عزفَت نفسي عن الدنيا وشهواتها، فأسهرتُ ليلي وأظمأتُ نهاري، وكأني أنظرُ إلى عرش ربِّي بارزًا، وكأني أنظرُ إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوَوْن فيها، فقال: «عبدٌ نوَّر اللهُ قلبه»٢.
فهذا هو هجومُ العلم بصاحبه على حقيقة الأمر، ومن وصل إلى هذا استلانَ ما يستوعرُه المترفون، وأَنِسَ بما يستوحشُ منه الجاهلون، ومن لم يثبت قدمُ إيمانه على هذه الدرجة فهو إيمانٌ ضعيف.
وعلامةُ هذا: انشراحُ الصدر لمنازل الإيمان، وانفساحُه، وطمأنينةُ القلب لأمر الله، والإنابةُ إلى ذكر الله، ومحبَّته، والفرح بلقائه، والتجافي عن
(٢) أخرجه عبد بن حميد في «المسند» (٤٤٥ - منتخبه)، والطبراني في «الكبير» (٣/ ٢٦٦)، وغيرهما من حديث الحارث بن مالك الأنصاري بإسنادٍ ضعيف. ورُوِي من وجوهٍ أخرى معضلًا ومرسلًا وموصولًا. قال العقيلي: «ليس لهذا الحديث إسنادٌ يثبت»، وقال ابن صاعد: «هذا الحديثُ لا يثبتُ موصولًا»، وقال ابن تيمية: «رُوِي مسندًا من وجهٍ ضعيفٍ لا يثبت»، وقال ابن رجب: «والمرسلُ أصح». انظر: «الضعفاء» (٤/ ٤٥٥)، و«الإصابة» (١/ ٥٩٧)، و«الاستقامة» (١/ ١٩٤)، و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٦٩)، و«جامع العلوم والحكم» (٧٩)، و«التخويف من النار» (٣٣).
دار الغرور؛ كما في الأثر المشهور: «إذا دخلَ النورُ القلبَ انفسحَ وانشرح»، قيل: وما علامةُ ذلك؟ قال: «التجافي عن دار الغرور، والإنابةُ إلى دار الخلود، والاستعدادُ للموت قبل نزوله»١.
وهذه هي الحالُ التي كانت تحصلُ للصحابة ﵃ عند النبيِّ ﷺ إذا ذكَّرهم الجنةَ والنار؛ كما في الترمذيِّ وغيره من حديث الجُريري، عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة الأسدي ــ وكان من كُتَّاب النبيِّ ﷺ ــ أنه مرَّ بأبي بكرٍ ﵁ وهو يبكي، فقال: ما لك يا حنظلة؟ فقال: نافقَ حنظلةُ يا أبا بكر، نكونُ عند رسول الله ﷺ يذكِّرنا بالجنة والنار كأنَّا رأي عَيْن، فإذا رجعنا إلى الأزواج والضَّيعة نسينا كثيرًا، قال: فوالله إنَّا لكذلك، انطلِقْ بنا إلى رسول الله ﷺ، فانطلقنا، فلمَّا رآه رسولُ الله ﷺ قال: ما لك يا حنظلة؟ قال: نافقَ حنظلةُ يا رسول الله، نكونُ عندك تذكِّرنا بالنار والجنة كأنَّا رأي عَيْن، فإذا رجعنا عافَسْنا الأزواجَ والضَّيعة ونسينا كثيرًا، قال: فقال رسولُ الله ﷺ: «لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتْكم الملائكةُ في مجالسكم وفي طرقكم وعلى فُرشكم، ولكنْ يا حنظلةُ ساعةً وساعة». قال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ صحيح»٢.
(١) أخرجه وكيع (١٥)، وابن المبارك (٣١٥) كلاهما في «الزهد»، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (ق: ١١٥/ب)، وغيرهم. وفي إسناده اختلاف، والصوابُ أنه مرسل، ولا يثبتُ رفعه. انظر: «علل الدارقطني» (٥/ ١٨٩)، و«شرح علل الترمذي» لابن رجب (٢/ ٧٧٣). وراجع التعليق على «الوابل الصيب» (١٤٤).
(٢) «جامع الترمذي» (٢٥١٤). وهو في «صحيح مسلم» (٢٧٥٠).