وهذا معنى قول بعض السلف: «القلوبُ جَوَّالة؛ فقلبٌ حول الحُشِّ١، وقلبٌ يطوفُ مع الملائكة حول العرش»٢.
فأعظمُ عذاب الروح انغماسُها وتدسيسُها في أعماق البدن، واشتغالُها بملاذِّه، وانقطاعُها عن ملاحظة ما خُلِقَت له وهُيِّئت له، وعن وطنها ومحلِّ أُنسِها ومنزل كرامتها، ولكنَّ سُكْرَ الشهوات يحجُبها عن مطالعة هذا الألم والعذاب.
فإذا صَحَت من سُكْرها، وأفاقت من غمرتها، أقبلَت عليها جيوشُ الحسرات من كلِّ جانب؛ فحينئذٍ تتقطَّعُ حسراتٍ على ما فاتها من كرامة الله وقربه والأُنس به، والوصول إلى وطنها الذي لا راحة لها إلا فيه، كما قيل:
(١) موضعُ قضاء الحاجة. «اللسان» (حشش).
(٢) أخرجه أبو عبد الرحمن السلمي في «طبقات الصوفية» (١٠٣) عن أحمد بن خضرويه البلخي (ت: ٢٤٠). وهو في ترجمته من «السير» (١١/ ٤٨٨).
صَحِبتُك إذْ عيني عليها غشاوةٌفلمَّا انجلت قَطَّعْتُ نفسي ألومُها١
ولو تنقَّلت الروحُ في المواطن كلِّها والمنازل، لم تستقرَّ ولم تطمئنَّ إلا في وطنها ومحلِّها الذي خُلِقَت له، كما قيل:
نَقِّلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوىما الحبُّ إلا للحبيب الأوَّلِ
كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتىوحنينُه أبدًا لأوَّل منزلِ٢
وإذا كانت الروحُ تَحِنُّ أبدًا إلى وطنها من الأرض مع قيام غيره مقامه في السُّكنى، وكثيرًا ما يكونُ غيرُ وطنها أحسنَ وأطيب منه، وهي إنما٣ تَحِنُّ إليه، مع أنه لا ضرر عليها ولا عذابَ في مفارقته إلى مثله، فكيف بحنينها إلى الوطن الذي في فراقها له عذابها وألمُها وحسرتُها التي لا تنقضي؟!
فالعبدُ المؤمنُ في هذه الدار سُبِيَ من الجنة إلى دار التعب والعناء، ثمَّ ضُرِبَ عليه الرِّقُّ فيها، فكيف يلامُ على حنينه إلى داره التي سُبِيَ منها، وفُرِّق بينه وبين من يُحِب، وجُمِعَ بينه وبين عدوِّه؟!
فروحُه دائمًا معلَّقةٌ بذلك الوطن، وبدنُه في الدنيا.
ولي من أبياتٍ في ذلك٤:
(١) البيت للحارث بن خالد المخزومي، يخاطبُ عبد الملك بن مروان، في «الكامل» (١٠٥١). وفي مجموع شعره (١٠١) مزيدُ تخريج.
(٢) البيتان لأبي تمام، في ديوانه (٤/ ٢٥٣).
(٣) (ن، ح): «وهي دائما».
(٤) من ميميَّةٍ طويلة، في «طريق الهجرتين» (١٠٨)، و«حادي الأرواح» (١٤).