مفتاح دار السعادة
صَحِبتُك إذْ عيني عليها غشاوةٌفلمَّا انجلت قَطَّعْتُ نفسي ألومُها١

ولو تنقَّلت الروحُ في المواطن كلِّها والمنازل، لم تستقرَّ ولم تطمئنَّ إلا في وطنها ومحلِّها الذي خُلِقَت له، كما قيل:

نَقِّلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوىما الحبُّ إلا للحبيب الأوَّلِ
كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتىوحنينُه أبدًا لأوَّل منزلِ٢

وإذا كانت الروحُ تَحِنُّ أبدًا إلى وطنها من الأرض مع قيام غيره مقامه في السُّكنى، وكثيرًا ما يكونُ غيرُ وطنها أحسنَ وأطيب منه، وهي إنما٣ تَحِنُّ إليه، مع أنه لا ضرر عليها ولا عذابَ في مفارقته إلى مثله، فكيف بحنينها إلى الوطن الذي في فراقها له عذابها وألمُها وحسرتُها التي لا تنقضي؟!

فالعبدُ المؤمنُ في هذه الدار سُبِيَ من الجنة إلى دار التعب والعناء، ثمَّ ضُرِبَ عليه الرِّقُّ فيها، فكيف يلامُ على حنينه إلى داره التي سُبِيَ منها، وفُرِّق بينه وبين من يُحِب، وجُمِعَ بينه وبين عدوِّه؟!

فروحُه دائمًا معلَّقةٌ بذلك الوطن، وبدنُه في الدنيا.

ولي من أبياتٍ في ذلك٤:

  1. (١) البيت للحارث بن خالد المخزومي، يخاطبُ عبد الملك بن مروان، في «الكامل» (١٠٥١). وفي مجموع شعره (١٠١) مزيدُ تخريج.
  2. (٢) البيتان لأبي تمام، في ديوانه (٤/ ٢٥٣).
  3. (٣) (ن، ح): «وهي دائما».
  4. (٤) من ميميَّةٍ طويلة، في «طريق الهجرتين» (١٠٨)، و«حادي الأرواح» (١٤).
424
فحَيَّ على جنَّاتِ عَدْنٍ فإنهامنازلُك الأولى وفيها المُخَيَّمُ
ولكنَّنا سَبْيُ العدوِّ فهل تُرىنَعُودُ إلى أوطاننا ونُسَلَّمُ

وكلَّما أراد منه العدوُّ نسيانَ وطنه، وضَرْبَ الذِّكر عنه صفحًا، وإيلافَه وطنًا غيره، أبت ذلك روحُه وقلبُه، كما قيل:

يرادُ من القلب نسيانُكموتأبى الطِّباعُ على الناقلِ١

ولهذا كان المؤمنُ غريبًا في هذه الدار، أين حلَّ منها فهو في دار غُربة، كما قال النبيُّ ﷺ: «كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل»٢، ولكنها غُربةٌ تنقضي ويصيرُ إلى وطنه ومنزله، وأما الغُربةُ التي لا يُرجى انقطاعُها فهي غُربةٌ في دار الهوان، ومفارقةُ وطنه الذي كان قد هيِّاء له وأُعِدَّ له وأُمِرَ بالتجهُّز إليه والقدوم عليه، فأبى إلا اغترابَه عنه ومفارقتَه له، فتلك غربةٌ لا يُرجى إيابُها ولا يُجْبَرُ مصابُها.

ولا تبادِر إلى إنكار كون البدن في الدنيا والروح في الملإ الأعلى؛ فللرُّوح شأنٌ وللبدن شأن، والنبيُّ ﷺ كان بين أظهُر أصحابه وهو عند ربِّه يطعمُه ويسقيه٣، فبدنُه بينهم وروحُه وقلبه عند ربِّه.

وقال أبو الدرداء: «إذا نام العبدُ عُرِجَ بروحه إلى تحت العرش، فإن كان

  1. (١) البيت للمتنبي، في ديوانه (٢٥٩). والرواية الصحيحة: ويأبى، بالياء. انظر كلام ابن القطاع بحاشية الديوان (تحقيق عبد الوهاب عزام).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦٤١٦) من حديث ابن عمر.
  3. (٣) انظر ما مضى (ص: ٩٧).
425

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي