مفتاح دار السعادة
فحَيَّ على جنَّاتِ عَدْنٍ فإنهامنازلُك الأولى وفيها المُخَيَّمُ
ولكنَّنا سَبْيُ العدوِّ فهل تُرىنَعُودُ إلى أوطاننا ونُسَلَّمُ

وكلَّما أراد منه العدوُّ نسيانَ وطنه، وضَرْبَ الذِّكر عنه صفحًا، وإيلافَه وطنًا غيره، أبت ذلك روحُه وقلبُه، كما قيل:

يرادُ من القلب نسيانُكموتأبى الطِّباعُ على الناقلِ١

ولهذا كان المؤمنُ غريبًا في هذه الدار، أين حلَّ منها فهو في دار غُربة، كما قال النبيُّ ﷺ: «كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل»٢، ولكنها غُربةٌ تنقضي ويصيرُ إلى وطنه ومنزله، وأما الغُربةُ التي لا يُرجى انقطاعُها فهي غُربةٌ في دار الهوان، ومفارقةُ وطنه الذي كان قد هيِّاء له وأُعِدَّ له وأُمِرَ بالتجهُّز إليه والقدوم عليه، فأبى إلا اغترابَه عنه ومفارقتَه له، فتلك غربةٌ لا يُرجى إيابُها ولا يُجْبَرُ مصابُها.

ولا تبادِر إلى إنكار كون البدن في الدنيا والروح في الملإ الأعلى؛ فللرُّوح شأنٌ وللبدن شأن، والنبيُّ ﷺ كان بين أظهُر أصحابه وهو عند ربِّه يطعمُه ويسقيه٣، فبدنُه بينهم وروحُه وقلبه عند ربِّه.

وقال أبو الدرداء: «إذا نام العبدُ عُرِجَ بروحه إلى تحت العرش، فإن كان

  1. (١) البيت للمتنبي، في ديوانه (٢٥٩). والرواية الصحيحة: ويأبى، بالياء. انظر كلام ابن القطاع بحاشية الديوان (تحقيق عبد الوهاب عزام).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦٤١٦) من حديث ابن عمر.
  3. (٣) انظر ما مضى (ص: ٩٧).
425

طاهرًا أُذِنَ لها بالسجود وإن لم يكن طاهرًا لم يؤذن لها بالسجود»١.

فهذه ــ والله أعلم ــ هي العلةُ التي أُمِرَ الجنبُ لأجلها أن يتوضَّأ إذا أراد النوم٢.

وهذا الصُّعودُ إنما كان لتجرُّد الروح عن البدن بالنوم، فإذا تجرَّدت بسببٍ آخر حصل لها من الترقِّي والصُّعود بحسب ذلك التجرُّد.

وقد يقوى الحبُّ بالمحبِّ حتى لا يُشاهَد منه بين الناس إلا جسمُه، وروحُه في موضعٍ آخر عند محبوبه، وفي هذا من أشعار الناس وحكاياتهم

  1. (١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٢٤٥) ــ ومن طريقه ابن قتيبة في «غريب الحديث» (١/ ١١)، و«تعبير الرؤيا» (٢٧) ــ، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (ق: ٢٧٤/أ) بإسنادٍ ضعيف.
  2. (٢) الأثر في المصادر السابقة بلفظ: «... وإن كان جُنبًا لم يؤذن لها بالسجود»، والوضوءُ لا ينفي عن الجُنب اسمَ الجنابة، ولذا كان ابنُ قتيبة أسعدَ بهذا الأثر من المصنف، إذ قال: «لا أرى الطهارةَ التي نختار للنائم أن يبيت عليها إلا الاغتسال من الجنابة»، ثم استدلَّ بالأثر، ثم قال: «فجعَلَ طهارةَ النائم في نومه أن يكون على غير جنابة. وأكثرُ الناس على أنه التوضؤ للصلاة. والنومُ ناقضٌ للوضوء وليس بناقضٍ للغسل».
    وهذا الاختيار من ابن قتيبة على سبيل الأفضليَّة، وقد صرَّح في «تأويل مختلف الحديث» (٣٠٦) بعدم وجوب الغسل.
    والغرض هنا الإشارةُ إلى مجانبة الأثر بهذا اللفظ لما استنبطه المصنفُ منه.
    وقد ورد باللفظ الذي ذكره المصنفُ أثرٌ آخر عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان ممَّن يأخذُ عن أهل الكتاب.
    أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/ ٢٩٢)، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (ق: ٢٧٤/أ)، والبيهقي في «الشعب» (٦/ ٧٥، ٩/ ١٣) بإسنادين يقوِّي أحدُهما الآخر.
426

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي