مفتاح دار السعادة
أخليفةَ الرحمنِ إنَّا معشرٌحنفاءُ نسجدُ بُكْرَةً وأصيلا
عربٌ نرى لله في أموالناحقَّ الزكاة منزَّلًا تنزيلا

ومنعت طائفةٌ هذا الإطلاق، وقالت: لا يقالُ لأحد: إنه خليفة الله؛ فإنَّ الخليفةَ إنما يكونُ عمن يغيبُ ويَخْلُفه غيرُه، واللهُ تعالى شاهدٌ غير غائب، قريبٌ غير بعيد، راءٍ وسامع، فمحالٌ أن يَخْلُفَه غيرُه، بل هو سبحانه الذي يَخْلُفُ عبدَه المؤمنَ فيكون خليفتَه؛ كما قال النبيُّ ﷺ في حديث الدجال: «إنْ يَخْرُج وأنا فيكم فأنا حَجِيجُه دونكم، وإن يَخْرُج ولستُ فيكم فامرؤٌ حَجِيجُ نفسه، واللهُ خليفتي على كلِّ مؤمن»، والحديث في «الصحيح»١.

وفي «صحيح مسلم»٢ أيضًا من حديث عبد الله بن عمر أنَّ رسول الله ﷺ كان يقولُ إذا سافر: «اللهم أنت الصاحبُ في السَّفر، والخليفةُ في الأهل ...» الحديث.

وفي «الصحيح»٣ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اللهمَّ اغفر لأبي سلمة، وارفع

  1. (١) «صحيح مسلم» (٢٩٣٧) من حديث النواس بن سمعان.
  2. (٢) (١٣٤٢).
  3. (٣) (ت، د، ق): «وفي الحديث». وهو في «صحيح مسلم» (٩٢٠).
428

درجتَه في المهديِّين، واخلُفْهُ في أهله».

فالله تعالى هو خليفةُ العبد؛ لأنَّ العبدَ يموتُ فيحتاجُ إلى من يَخْلُفه في أهله.

قالوا: ولهذا أنكر الصدِّيقُ ﵁ على من قال له: «يا خليفةَ الله»، قال: «لستُ بخليفة الله، ولكن خليفةُ رسول الله، وحسبي ذلك»١.

قالوا: وأمَّا قولُه تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، فلا خلافَ أنَّ المرادَ به آدمُ وذريته. وجمهورُ أهل التفسير من السَّلف والخلف على أنه جعله خليفةً عمن كان قبله٢ في الأرض. قيل: عن الجنِّ الذين كانوا سُكَّانها. وقيل: عن الملائكة الذين سكنوها بعد الجنِّ، وقصَّتهم مذكورةٌ في التفاسير٣.

وأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، فليس المرادُ به خلائفَ عن الله، وإنما المرادُ به أنه جعلكم يَخْلُفُ بعضُكم بعضًا، فكلَّما هلك قرنٌ خَلَفه قرنٌ إلى آخر الدهر.

  1. (١) أخرجه أحمد في «المسند» (١/ ١٠)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٤/ ٥٦٨)، والخلال في «السنة» (١/ ٢٧٤)، وغيرهم بإسنادٍ منقطع.
    وقد كان الصحابةُ ﵃ ينادونه: «يا خليفة رسول الله»، عقد الحاكمُ للروايات في ذلك فصلًا في «المستدرك» (٣/ ٧٩)، وصحَّح بعضها ولم يتعقَّبه الذهبي.
  2. (٢) (ت): «فمن كان قبله». (ن): «ممن كان قبله». (د، ق): «خليفته ممن كان قبله». والمثبت أشبه.
  3. (٣) انظر: «تفسير الطبري» (١/ ٤٥٠)، و«الدر المنثور» (١/ ٤٤).
429

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي