ومعلومٌ أنَّ كلَّ الخلق عبادٌ له، فخلفاءُ الأرض كالعباد في قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾[آل عمران: ٢٠]، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾[غافر: ٣١]، وخلفاءُ الله كعباد الله في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ونظائره.
وحقيقةُ اللفظة: أنَّ الخليفةَ هو الذي يَخْلُفُ الذاهب، أي: يجيء بعده؛ يقال: خَلَفَ فلانٌ فلانًا.
وأصلُها: «خليفٌ» بغير هاء؛ لأنها فَعِيلٌ بمعنى فاعل، كالعليم والقدير، فدخلت التاءُ للمبالغة في الوصف، كراوية وعلَّامة؛ ولهذا جُمِعَ جمعَ فَعِيل، فقيل: خُلفاء، كشُرفاء وظُرفاء وكُرماء٢. ومن راعى لفظَه بعد دخول التاء عليه جمَعه على فعائل، فقال: خلائف، كعَقِيلة وعقائل، وطَرِيفة وطرائف٣. وكلاهما ورد به القرآن.
والصوابُ أنَّ التاء إنما دخلت فيها للعَدْل عن الوصف إلى الاسم؛ فإنَّ الكلمةَ صفةٌ في الأصل، ثمَّ أُجرِيَت مجرى الأسماء، فأُلحِقَت التاءُ لذلك، كما قالوا: «نَطِيحة» بالتاء، فإذا أجروها صفةً قالوا: «شاةٌ نَطِيح» كما يقولون: «كفٌّ خَضِيب»، وإلا فلا معنى للمبالغة في «خليفة» حتى تلحقها تاءُ المبالغة، والله أعلم.
* وقولُه: «ودعاتُه إلى دينه»؛ الدعاة: جمعُ داعٍ، كقاضٍ وقضاة، ورامٍ ورماة، وإضافتُهم إلى الله للاختصاص، أي الدعاةُ المخصوصون به الذين يدعون إلى دينه وعبادته ومعرفته ومحبَّته، وهؤلاء هم خواصُّ خلق الله وأفضلُهم عند الله منزلةً وأعلاهم قدرًا.
يدلُّ على ذلك الوجه الثلاثون بعد المئة: وهو قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[فصلت: ٣٣].
قال الحسن: «هو المؤمنُ؛ أجاب اللهَ في دعوته، ودعا الناسَ إلى ما أجابَ اللهَ فيه من دعوته، وعملَ صالحًا في إجابته؛ فهذا حبيبُ الله، هذا وليُّ الله»٢.
فمقامُ الدعوة إلى الله أفضلُ مقامات العبد، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾[الجن: ١٩].