في ﴿أَدْعُو﴾، يعني: ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو.
وهذا قولُ الكلبي١، قال: حقٌّ على كلِّ من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه ويذكِّر بالقرآن والموعظة٢.
ويَقْوَى هذا القولُ من وجوهٍ كثيرة.
قال ابن الأنباري: ويجوزُ أن يتمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، ثمَّ يبتداء: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾٣. فيكونُ الكلامُ على قوله جملتين، أخبَر في أولاهما أنه يدعو إلى الله، وفي الثانية بأنه وأتباعَه على بصيرة.
والقولان متلازمان؛ فلا يكونُ الرجلُ من أتباعه حقًّا حتى يدعو إلى ما دعا إليه. وقولُ الفرَّاء أحسنُ وأقربُ إلى الفصاحة والبلاغة٤.
وإذا كانت الدعوةُ إلى الله أشرفَ مقامات العبد وأجلَّها وأفضلَها، فهي لا تحصلُ إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حدٍّ يصلُ إليه السَّعي٥.
ويكفي هذا في شرف العلم، أنَّ صاحبه يحوزُ به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء.
(١) محمد بن السائب بن بشر، أبو النضر، الإخباريُّ النَّسابة المفسِّر (ت: ١٤٦). انظر: «السير» (٦/ ٢٤٨).
(٢) انظر: «الكشف والبيان» (٥/ ٢٦٣)، و«البسيط» (١٢/ ٢٦٣). وأخرجه الطبري (١٦/ ٢٩٢) عن ابن زيد.
(٣) انظر: «زاد المسير» (٤/ ٢٩٥).
(٤) راجع ما مضى (ص: ٢١٦).
(٥) كذا في الأصول. أي: إلى آخر حدٍّ يصلُ إليه السعي.
الوجه الحادي والثلاثون بعد المئة: أنه لو لم يكن من فوائد العلم إلا أنه يُثْمِرُ اليقينَ الذي هو أعظمُ حياة القلب، وبه طمأنينتُه وقوَّتُه ونشاطُه وسائرُ لوازم الحياة لكفاه شرفًا وفضلًا١.
ولهذا مدح الله سبحانه أهلَه في كتابه، وأثنى عليهم بقوله: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾[البقرة: ٤]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[البقرة: ١١٨]٢، وقوله في حقِّ خليله إبراهيم: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾[الأنعام: ٧٥]، وذَمَّ من لا يقين عنده، فقال: ﴿إنَّ٣ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾[النمل: ٨٢].
وفي الحديث المرفوع من حديث سفيان الثوري، عن سليمان التيمي٤، عن خيثمة، عن عبد الله بن مسعود يرفعُه: «لا تُرضِينَّ أحدًا بسخط الله، ولا تَحْمَدَنَّ أحدًا على فضله، ولا تَذُمَّنَّ أحدًا على ما لم يُؤْتِك الله؛ فإنَّ رزقَ الله لا يسوقُه [إليك] حرصُ حريص، ولا يردُّه عنك كراهيةُ كارِه، وإنَّ الله بعدله وقسطه جعل الرَّوْحَ والراحةَ والفرحَ في الرضا واليقين،
(١) الجوابُ مستدركٌ في طرة (د)، وليس في باقي الأصول.
(٢) في الأصول: (كذلك نفصل الآيات لقوم يوقنون) وهو وهم؛ فليس ثم آيةٌ كذلك، وأنا متأثمٌ من إثباتها في المتن. وفي القرآن: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[الروم: ٢٨]، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[يونس: ٢٤]، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[الأعراف: ٣٢]. ويصلح للاستشهاد لما أراده المصنف ما أثبتُّه.
(٣) كذا قرأ أبو عمرو، وهي قراءة المصنف وأهل الشام لعهده.
(٤) كذا في الأصول و«الرسالة القشيرية»، وهي مصدر المصنف. وهو سليمان الأعمش، كما في المصادر التالية.