فإذا باشرَ القلبَ اليقينُ امتلأ نورًا، وانتفى عنه كلُّ ريبٍ وشك، وعُوفي من أمراضه القاتلة، وامتلأ شكرًا لله وذكرًا ومحبَّةً وخوفًا، فحَيِيَ عن بيِّنة.
واليقينُ والمحبةُ هما ركنا الإيمان، وعليهما ينبني، وبهما قِوامُه، وهما يُمِدَّان سائرَ الأعمال القلبية والبدنية، وعنهما تَصْدُر، وبضعفهما يكونُ ضعفُ الأعمال، وبقوَّتهما قوتها. وجميعُ منازل السائرين ومقامات العارفين إنما تصحُّ بهما٢، وهما يُثْمِران كلَّ عملٍ صالحٍ وعلمٍ نافعٍ وهدًى مستقيم.
قال شيخُ العارفين الجُنيد٣: «اليقينُ هو استقرارُ العلم الذي لا ينقلبُ ولا يتحوَّلُ ولا يتغيَّرُ في القلب»٤.
(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٠/ ٢١٥)، والقشيري في «الرسالة» (٣١٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٢١، ٧/ ١٣٠)، والبيهقي في «الأربعين الصغرى» (٥١)، وغيرهم، بإسنادٍ شديد الضعف. ورُوِي من وجهٍ آخر أحسن منه، إلا أنَّ فيه انقطاعًا. أخرجه البيهقي في «الشعب» (١/ ٥٢٧)، و«الأربعين» (٥٠). ورُوِي موقوفًا على ابن مسعود، وهو أشبه، وإليه مال البيهقي، وإن كان في إسناده انقطاع. أخرجه ابن أبي الدنيا في «اليقين» (٣٢)، ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (١/ ٥٢٨)، و«الأربعين» (٥٢).
(٢) (ت، ق): «تفتح بهما». ولم تحرر في (د).
(٣) الجُنَيد بن محمد البغدادي، شيخ الصُّوفية، صاحبُ علمٍ وتعبُّد (ت: ٢٩٧). انظر: «طبقات الصوفية» (١٥٥)، و«السير» (١٤/ ٦٦).
(٤) «الرسالة القشيرية» (٣٢٠).
وقال سهل١: «حرامٌ على قلبٍ أن يشمَّ رائحة اليقين وفيه سكونٌ إلى غير الله»٢.
وقيل: «من علاماته: الالتفاتُ إلى الله في كلِّ نازلة، والرجوعُ إليه في كلِّ أمر، والاستعانةُ به في كلِّ حال، وإرادةُ وجهه بكلِّ حركةٍ وسكون»٣.
وقال السَّرِي٤: «اليقينُ: سكونُك٥ عند جَوَلان الموارد٦ في صدرك؛ لتيقُّنك٧ أنَّ حركتك فيها لا تنفعُك ولا تردُّ عنك مقضيًّا»٨.
قلت: هذا إذا لم تكن الحركةُ مأمورًا بها، فأمَّا إذا كانت مأمورًا بها فاليقينُ في بذل الجهد فيها واستفراغ الوسع.