مفتاح دار السعادة

قال١:

تَحَسَّبَ هوَّاسٌ وأيقَنَ أننيبها مُفْتَدٍ من واحدٍ لا أُغامِرُه

يقول: تَشَمَّمَ الأسدُ ناقتي، يظنُّ أنني أفتدي بها منه، وأستحيي نفسي فأتركها له، ولا أَقْتَحِمُ المهالكَ بمقاتلته٢».

قلت: هذا موضعٌ اختلف فيه أهلُ اللغة والتفسير؛ هل يستعملُ اليقينُ في موضع الظنِّ، والظنُّ في موضع اليقين؟٣.

فرأى ذلك طائفة، منهم الجوهريُّ وغيره، واحتجُّوا سوى ما ذُكِر بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، ولو شكُّوا في ذلك لم يكونوا مؤمنين٤، فضلًا عن أن يُمْدَحوا بهذا المدح، وبقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وبقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]، وبقول الشاعر٥:

  1. (١) أبو سِدْرة الأسدي، ويقال: الهُجَيْمي. انظر: «النوادر» لأبي زيد (١٨٩)، و«اللآلي» (١/ ٥٣٩)، و«الخزانة» (٢/ ١١٩).
  2. (٢) (ق، د، ت): «لمقاتلته».
  3. (٣) انظر: «الأضداد» لابن الأنباري (١٢)، و«تفسير الطبري» (٢/ ١٧)، و«الخزانة» (٩/ ٣١٤، ١١/ ٢٨٢).
  4. (٤) (ق): «موقنين».
  5. (٥) هو دريدُ بن الصِّمَّة، من حماسيَّةٍ أصمعية. انظر: «الحماسة» بشرح المرزوقي (٨١٢)، و«الأصمعيات» (٢٨)، وديوانه (٤٧). والمدجَّج: الكاملُ السلاح. وسَراتهم: أشرافُهم ورؤساؤهم. والفارسيُّ المسرَّد: الدِّرعُ الفارسيُّ المحكم النَّسج.
439
فقلتُ لهم: ظُنُّوا بألفَيْ مقاتلٍسَراتُهمُ في الفارسيِّ المُسَرَّد

أي: استيقِنوا بهذا العدد.

وأبى ذلك طائفة، وقالوا: لا يكونُ اليقينُ إلا للعلم.

وأمَّا الظن، فمنهم من وافق على أنه يكونُ بمعنى العلم.

ومنهم من قال: لا يكون١ الظنُّ في موضع اليقين. وأجابوا عمَّا احتجَّ به من جوَّز ذلك بأن قالوا: هذه المواضعُ التي زعمتم أنَّ الظنَّ وقع فيها موقعَ اليقين كلُّها على بابها؛ فإنَّا لم نجد ذلك إلا في علمٍ بمُغيَّب، ولم نجدهم يقولون لمن رأى الشيء: «أظنُّه»، ولمن ذاقه: «أظنُّه»، وإنما يقالُ لغائبٍ قد عُرِفَ بالسَّمع والعقل٢، فإذا صار إلى المشاهدة امتنع إطلاقُ الظنِّ عليه.

قالوا: وبين العِيان والخبر مرتبةٌ متوسِّطةٌ باعتبارها أُوقِعَ على العلم بالغائب الظنُّ؛ لفقد الحال التي تحصل لِمُدْرِكه بالمشاهدة.

وعلى هذا أُخرِجَت٣ سائرُ الأدلَّة التي ذكرتموها.

ولا يَرِدُ على هذا قولُه: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ لأن الظنَّ إنما وقع على مُواقَعَتها٤، وهي غيبٌ حال الرؤية، فإذا واقعوها لم يكن ذلك ظنًّا، بل حقُّ يقين.

  1. (١) من قوله: «بمعنى العلم» إلى هنا، ساقط من (ح، ن).
  2. (٢) في الأصول: «بالسمع والعلم». تحريف. انظر: «الصواعق» (٨٧٠).
  3. (٣) (ت، د): «خرجت».
  4. (٤) (ت، ن): «مواقعها». (ق): «مواقعوها».
440

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي