فهذه محرَّماتٌ على كلِّ أحد، في كلِّ حال، على لسان كلِّ رسول، لا تُباح قطُّ؛ ولهذا أتى فيها بـ ﴿إِنَّمَا﴾ المفيدة للحصر مطلقًا، وغيرُها محرَّمٌ في وقتٍ مباحٌ في غيره، كالميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه، فهذه ليست محرَّمةً على الإطلاق والدوام، فلم تدخل تحت التحريم المحصور المطلق.
النوعُ الرابع: علمُ أحكام المعاشرة والمعاملة التي تحصلُ بينه وبين الناس خصوصًا وعمومًا، والواجبُ في هذا النوع يختلفُ باختلاف أحوال الناس ومنازلهم، فليس الواجبُ على الإمام مع رعيَّته كالواجب على الرجل مع أهله وجيرته، وليس الواجبُ على من نَصَبَ نفسَه لأنواع التجارات من تعلُّم أحكام البِيَاعات كالواجب على من لا يبيعُ ولا يشتري إلا ما تدعو الحاجةُ إليه٢.
(١) (ت): «وما يلزم منها».
(٢) (ن، ح): «تدعو حاجته إليه».
وتفصيلُ هذه الجملة لا ينضبط بحدٍّ؛ لاختلاف الناس في أسباب العلم الواجب. وذلك يرجعُ إلى ثلاثة أصول: اعتقاد، وفعل، وترك.
* فالواجبُ في الاعتقاد: مطابقتُه للحقِّ في نفسه.
* والواجبُ في العمل: معرفةُ موافقة حركات العبد الظاهرة والباطنة الاختيارية للشرع أمرًا أو إباحة.
* والواجبُ في التَّرك: معرفةُ موافقة الكفِّ والسُّكون لمرضاة الله، وأنَّ المطلوبَ منه إبقاءُ هذا الفعل على عدمه المُسْتَصْحَب١ فلا يتحركُ في طلبه، أو كفُّ النفس عن فعله، على الطريقتين٢.
وقد دخل في هذه الجملة علمُ حركات القلوب والأبدان.
* وأما فرضُ الكفاية فلا أعلمُ فيه ضابطًا صحيحًا؛ فإنَّ كلَّ أحدٍ يُدْخِلُ في ذلك ما يظنُّه فرضًا، فيُدْخِلُ بعضُ الناس في ذلك علمَ الطبِّ وعلمَ الحساب وعلمَ الهندسة والمِساحات، وبعضُهم يزيدُ على ذلك علمَ أصول الصِّناعات، كالفِلاحة والحِياكة والحِدادة والخِياطة ونحوها٣، وبعضُهم يزيدُ على ذلك علمَ المنطق٤، وربَّما جعله فرضَ عين، وبناه على عدم
(١) (ق): «اتقاء هذا الفعل على عدمه المستعمل».
(٢) الأولى: أن الترك أمرٌ عدمي، والثانية: أنه وجودي. انظر: «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٢٣)، و«شفاء العليل» (٤٨٨)، و«الداء والدواء» (٤٤٩).