مفتاح دار السعادة

وتفصيلُ هذه الجملة لا ينضبط بحدٍّ؛ لاختلاف الناس في أسباب العلم الواجب. وذلك يرجعُ إلى ثلاثة أصول: اعتقاد، وفعل، وترك.

* فالواجبُ في الاعتقاد: مطابقتُه للحقِّ في نفسه.

* والواجبُ في العمل: معرفةُ موافقة حركات العبد الظاهرة والباطنة الاختيارية للشرع أمرًا أو إباحة.

* والواجبُ في التَّرك: معرفةُ موافقة الكفِّ والسُّكون لمرضاة الله، وأنَّ المطلوبَ منه إبقاءُ هذا الفعل على عدمه المُسْتَصْحَب١ فلا يتحركُ في طلبه، أو كفُّ النفس عن فعله، على الطريقتين٢.

وقد دخل في هذه الجملة علمُ حركات القلوب والأبدان.

* وأما فرضُ الكفاية فلا أعلمُ فيه ضابطًا صحيحًا؛ فإنَّ كلَّ أحدٍ يُدْخِلُ في ذلك ما يظنُّه فرضًا، فيُدْخِلُ بعضُ الناس في ذلك علمَ الطبِّ وعلمَ الحساب وعلمَ الهندسة والمِساحات، وبعضُهم يزيدُ على ذلك علمَ أصول الصِّناعات، كالفِلاحة والحِياكة والحِدادة والخِياطة ونحوها٣، وبعضُهم يزيدُ على ذلك علمَ المنطق٤، وربَّما جعله فرضَ عين، وبناه على عدم

  1. (١) (ق): «اتقاء هذا الفعل على عدمه المستعمل».
  2. (٢) الأولى: أن الترك أمرٌ عدمي، والثانية: أنه وجودي. انظر: «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٢٣)، و«شفاء العليل» (٤٨٨)، و«الداء والدواء» (٤٤٩).
  3. (٣) انظر: «الإحياء» (١/ ١٦)، وهو مصدر المصنف هنا، و«الوسيط» (٧/ ٦، ٧)، و«روضة الطالبين» (١٠/ ٢٢٢، ٢٢٣)، و«مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٩٤)، و«الطرق الحكمية» (٦٤٥) [و"المجموع" (١/ ٢٦).].
  4. (٤) انظر: «المستصفى» (١/ ٤٥)، و«معيار العلم» (٦٠)، و«الرد على المنطقيين» (١٧٩).
444

صحَّة إيمان المقلِّد.

وكلُّ هذا هَوَسٌ وخَبْط، فلا فرضَ إلا ما فرضه١ اللهُ ورسولُه.

فيا سبحان الله! هل فرضَ اللهُ على كلِّ مسلم أن يكون طبيبًا حجَّامًا حاسبًا مهندسًا، أو حائكًا أو فلَّاحًا٢ أو نجَّارًا أو خيَّاطًا؟! فإنَّ فرضَ الكفاية كفرض العين في تعلُّقه بعموم المكلَّفين، وإنما يخالفُه في سقوطه بفعل البعض٣.

ثمَّ على قول هذا القائل يكونُ اللهُ قد فرض على كلِّ أحد جملةَ هذه الصَّنائع والعلوم؛ فإنه ليس واحدٌ منها فرضًا على معيَّنٍ والآخرُ على مُعيَّنٍ آخر، بل عمومُ فرضيَّتها مشتركةٌ بين العموم، فيجبُ على كلِّ أحدٍ أن يكون حاسبًا حائكًا٤ خيَّاطًا نجَّارًا فلَّاحًا طبيبًا مهندسًا!

فإن قال: «المجموعُ فرضٌ على المجموع» لم يكن قولك: «إنَّ كلَّ واحدٍ منها فرض كفاية» صحيحًا؛ لأنَّ فرضَ الكفاية يجبُ على العموم.

وأمَّا المنطق، فلو كان علمًا صحيحًا كان غايتُه أن يكون كالمِسَاحة والهندسة ونحوها، فكيف وباطلُه أضعافُ حقِّه، وفسادُه وتناقضُ أصوله واختلافُ مبانيه توجبُ مراعاتُها للذِّهن أن يزيغَ في فكره؟!

  1. (١) (ت): «افترضه». (ح): «فرض».
  2. (٢) (ت): «فلاحا أو حدادا».
  3. (٣) على أحد القولين في تعلُّق فرض الكفاية بعموم المكلَّفين أو ببعضهم، وهو خلافٌ مشهور، وما اختاره المصنفُ هو رأيُ الجمهور. انظر: «زاد المعاد» (١/ ٣٩٨)، و«الصلاة وحكم تاركها» (٤٥)، و«المحصول» (٢/ ١٨٦)، و«البحر المحيط» (١/ ٢٤٣).
  4. (٤) في الأصول: «أو حائكًا». ولا يستقيم المعنى بإثبات «أو» هنا.
445

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي