وكلُّ هذا هَوَسٌ وخَبْط، فلا فرضَ إلا ما فرضه١ اللهُ ورسولُه.
فيا سبحان الله! هل فرضَ اللهُ على كلِّ مسلم أن يكون طبيبًا حجَّامًا حاسبًا مهندسًا، أو حائكًا أو فلَّاحًا٢ أو نجَّارًا أو خيَّاطًا؟! فإنَّ فرضَ الكفاية كفرض العين في تعلُّقه بعموم المكلَّفين، وإنما يخالفُه في سقوطه بفعل البعض٣.
ثمَّ على قول هذا القائل يكونُ اللهُ قد فرض على كلِّ أحد جملةَ هذه الصَّنائع والعلوم؛ فإنه ليس واحدٌ منها فرضًا على معيَّنٍ والآخرُ على مُعيَّنٍ آخر، بل عمومُ فرضيَّتها مشتركةٌ بين العموم، فيجبُ على كلِّ أحدٍ أن يكون حاسبًا حائكًا٤ خيَّاطًا نجَّارًا فلَّاحًا طبيبًا مهندسًا!
فإن قال: «المجموعُ فرضٌ على المجموع» لم يكن قولك: «إنَّ كلَّ واحدٍ منها فرض كفاية» صحيحًا؛ لأنَّ فرضَ الكفاية يجبُ على العموم.
وأمَّا المنطق، فلو كان علمًا صحيحًا كان غايتُه أن يكون كالمِسَاحة والهندسة ونحوها، فكيف وباطلُه أضعافُ حقِّه، وفسادُه وتناقضُ أصوله واختلافُ مبانيه توجبُ مراعاتُها للذِّهن أن يزيغَ في فكره؟!
(١) (ت): «افترضه». (ح): «فرض».
(٢) (ت): «فلاحا أو حدادا».
(٣) على أحد القولين في تعلُّق فرض الكفاية بعموم المكلَّفين أو ببعضهم، وهو خلافٌ مشهور، وما اختاره المصنفُ هو رأيُ الجمهور. انظر: «زاد المعاد» (١/ ٣٩٨)، و«الصلاة وحكم تاركها» (٤٥)، و«المحصول» (٢/ ١٨٦)، و«البحر المحيط» (١/ ٢٤٣).
(٤) في الأصول: «أو حائكًا». ولا يستقيم المعنى بإثبات «أو» هنا.
ولا يؤمنُ بهذا إلا من قد عرفه وعرفَ فسادَه وتناقضه ومناقضةَ كثيرٍ منه للعقل الصريح.
وأخبَر بعضُ من كان قد قرأه وعُنِيَ به١ أنه لم يزل متعجِّبًا من فساد أصوله وقواعده، ومباينتها لصريح المعقول، وتضمُّنها لدعاوٍ محضةٍ غير مدلولٍ عليها، وتفريقه بين متساويَيْن، وجمعه بين مختلفَيْن؛ فيحكمُ على الشيء بحكمٍ وعلى نظيره بضدِّ ذلك الحكم، أو يحكمُ على الشيء بحكمٍ ثمَّ يحكمُ على مضادِّه أو مناقِضه به!
قال: إلى أن سألتُ بعض رؤسائه وشيوخ أهله عن شيءٍ من ذلك، فأَفْكَرَ فيه٢، ثمَّ قال: «هذا علمٌ قد صقلَته الأذهان، ومرَّت عليه من عهد القرون الأوائل ــ أو كما قال ــ، فينبغي أن نتسلَّمه من أهله»، وكان هذا أفضلَ من رأيتُ في المنطق.
قال: إلى أن وقفتُ على ردِّ متكلِّمي الإسلام عليه وتبيين فساده وتناقضه، فوقفتُ على مصنَّفٍ لأبي سعيد السِّيرافي النحوي٣ في ذلك٤،
(٢) كذا في الأصول. فكَّر في الشيء وأَفْكَرَ فيه وتفكَّر، بمعنى. «اللسان».
(٣) الحسن بن عبد الله، إمامٌ في العربية، صاحبُ تصانيف، وفيه دينٌ وورع (ت: ٣٦٨). انظر: «إنباه الرواة» (١/ ٣٤٨)، و«السير» (١٦/ ٢٤٧).
(٤) لعلَّه يقصد المناظرة التي جرت بينه وبين أبي بشر متَّى بن يونس صاحب كتب المنطق، وقد دوَّنها أبو حيان التوحيدي في «الإمتاع والمؤانسة» (١/ ١٠٨ - ١٢٨). وانظر: «الرد على المنطقيين» (١٧٨).