ولا يؤمنُ بهذا إلا من قد عرفه وعرفَ فسادَه وتناقضه ومناقضةَ كثيرٍ منه للعقل الصريح.
وأخبَر بعضُ من كان قد قرأه وعُنِيَ به١ أنه لم يزل متعجِّبًا من فساد أصوله وقواعده، ومباينتها لصريح المعقول، وتضمُّنها لدعاوٍ محضةٍ غير مدلولٍ عليها، وتفريقه بين متساويَيْن، وجمعه بين مختلفَيْن؛ فيحكمُ على الشيء بحكمٍ وعلى نظيره بضدِّ ذلك الحكم، أو يحكمُ على الشيء بحكمٍ ثمَّ يحكمُ على مضادِّه أو مناقِضه به!
قال: إلى أن سألتُ بعض رؤسائه وشيوخ أهله عن شيءٍ من ذلك، فأَفْكَرَ فيه٢، ثمَّ قال: «هذا علمٌ قد صقلَته الأذهان، ومرَّت عليه من عهد القرون الأوائل ــ أو كما قال ــ، فينبغي أن نتسلَّمه من أهله»، وكان هذا أفضلَ من رأيتُ في المنطق.
قال: إلى أن وقفتُ على ردِّ متكلِّمي الإسلام عليه وتبيين فساده وتناقضه، فوقفتُ على مصنَّفٍ لأبي سعيد السِّيرافي النحوي٣ في ذلك٤،
(٢) كذا في الأصول. فكَّر في الشيء وأَفْكَرَ فيه وتفكَّر، بمعنى. «اللسان».
(٣) الحسن بن عبد الله، إمامٌ في العربية، صاحبُ تصانيف، وفيه دينٌ وورع (ت: ٣٦٨). انظر: «إنباه الرواة» (١/ ٣٤٨)، و«السير» (١٦/ ٢٤٧).
(٤) لعلَّه يقصد المناظرة التي جرت بينه وبين أبي بشر متَّى بن يونس صاحب كتب المنطق، وقد دوَّنها أبو حيان التوحيدي في «الإمتاع والمؤانسة» (١/ ١٠٨ - ١٢٨). وانظر: «الرد على المنطقيين» (١٧٨).
وعلى ردِّ كثيرٍ من أهل الكلام والعربية عليهم، كالقاضي أبي بكر بن الطيِّب١، والقاضي عبد الجبار٢، والجُبَّائي٣، وابنه٤، وأبي المعالي٥، وأبي القاسم الأنصاري٦،
وخلقٍ لا يُحْصَوْنَ كثرة٧.
ورأيتُ [من] استشكالات فضلائهم ورؤسائهم لمواضع الإشكال، ومخالفتها [للعقل]٨، ما كان ينقدحُ لي كثيرٌ منه.
(١) الباقلَاّني، المتكلِّم، الأصولي، انتهت إليه رياسة المالكية في وقته (ت: ٤٠٣). انظر: «ترتيب المدارك» (٧/ ٤٤)، و«السير» (١٧/ ١٩٠).
(٢) عبد الجبار بن أحمد الهمداني، شيخ المعتزلة، صاحب التصانيف (ت: ٤١٥). انظر: «السير» (١٧/ ٢٤٤)، و«لسان الميزان» (٣/ ٣٨٦).
(٣) أبو علي، محمد بن عبد الوهاب البصري، المعتزلي، له تصانيف (ت: ٣٠٣). انظر: «طبقات المعتزلة» (٨٠)، و«السير» (١٤/ ١٨٣).
(٤) أبو هاشم، عبد السلام بن محمد، المعتزلي، له تصانيف (ت: ٣٢١). انظر: «طبقات المعتزلة» (٩٤)، و«السير» (١٥/ ٦٣).
(٥) عبد الملك بن عبد الله الجويني، إمام الحرمين، الشافعي، المتكلِّم (ت: ٤٧٨). انظر: «السير» (١٨/ ٤٦٨)، و«طبقات الشافعية» (٥/ ١٦٥).
(٦) سلمان بن ناصر النيسابوري، الصوفي، الشافعي، المتكلِّم، تلميذُ إمام الحرمين، وشارحُ كتابه «الإرشاد» (ت: ٥١١). انظر: «السير» (١٩/ ٤١٢) ..
(٧) انظر: «الرد على المنطقيين» (١٥ - ١٩، ١٩٤)، و«نقض المنطق» (١٨٧)، و«صون المنطق والكلام» للسيوطي (٢٠٦)، و«الحاوي للفتاوي» (١/ ٢٥٥)، و«فتاوى ابن الصلاح» (١/ ٢٠٩)، و«زغل العلم» للذهبي (٤٣). والخلافُ بين المتكلمين والمناطقة هو في الفائدة من «الحدِّ»، وهي أهمُّ مسائل التصوُّرات؛ فالحدُّ عند المتكلمين: ما يُمَيِّزُ المحدود عن غيره، بينما هو عند المناطقة: المعرِّفُ للماهيَّة والموصلُ للحقيقة.
(٨) ما بين المعكوفات يقتضيه السياق، وليس في الأصول.