مفتاح دار السعادة

فلم يجد ثَمَّ سوى الحِرْمانِ

فعادَ بالخيبةِ والخسران

يَقْرَعُ سِنَّ نادمٍ حيرانِ

قد ضاعَ منه العمرُ في الأماني

وعايَنَ الخِفَّةَ في الميزان١

وما كان مِنْ هَوَس النفوس بهذه المنزلة فهو بأن يكونَ جهلًا أولى منه بأن يكون علمًا تعلُّمُه فرضُ كفايةٍ أو فرضُ عين.

وهذا الشَّافعيُّ وأحمدُ وسائرُ أئمَّة الإسلام وتصانيفُهم، وأئمَّةُ العربية٢ وتصانيفُهم، وأئمَّةُ التفسير وتصانيفُهم، لمن نظر فيها؛ هل راعَوا فيها حدودَ المنطق وأوضاعَه؟ وهل صحَّ لهم علمُهم بدونه أم لا؟! بل هم كانوا أجلَّ قدرًا وأعظمَ عقولًا من أن يشغلوا أفكارَهم بهذيان المنطقيِّين.

وما دخلَ المنطقُ على علمٍ إلا أفسدَه، وغيَّر أوضاعَه، وشَوَّش قواعدَه٣.

ومن الناس من يقول: إنَّ علومَ العربية من التصريف والنحو واللغة والمعاني والبيان ونحوها تعلُّمها فرضُ كفاية؛ لتوقُّف فهم كلام الله ورسوله عليها.

  1. (١) الأبيات على ظهر النسخة الخطية الفريدة لكتاب "الرد على المنطقيين" باختلافٍ يسير.
  2. (٢) (ت، ق، د): «وسائر أئمة العربية». والمثبت من (ح، ن) أصح؛ فالسائر: الباقي، لا الجميع، من السُّؤر. انظر: «تصحيح التصحيف» (٣٠٢)، و«خير الكلام في التقصي عن أغلاط العوام» (٣٤).
  3. (٣) انظر: «الصواعق المرسلة» (٨١٩)، و«بدائع الفوائد» (٨٩١)، و«إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٦٠).
449

ومن الناس من يقول: تعلُّمُ أصول الفقه فرضُ كفاية؛ لأنه العلمُ الذي يُعْرَفُ به الدليلُ ومرتبتُه، وكيفيةُ الاستدلال.

وهذه الأقوالُ وإن كانت أقربَ إلى الصواب من القول الأول، فليس وجوبُها عامًّا على كلِّ أحد، ولا في كلِّ وقت، وإنما تجبُ وجوبَ الوسائل في بعض الأزمان وعلى بعض الأشخاص، بخلاف الفرض الذي يعمُّ وجوبُه كلَّ أحد؛ وهو علمُ الإيمان وشرائع الإسلام، فهذا هو الواجب، وأما ما عداه فإن توقَّفت معرفتُه عليه فهو من باب ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به، ويكونُ الواجبُ منه القدرَ المُوصِل إليه، دون المسائل التي هي فَضْلةٌ لا يفتقرُ معرفةُ الخطاب وفهمُه عليها.

فلا يُطلقُ القولُ بأنَّ علمَ العربية واجبٌ على الإطلاق؛ إذ الكثيرُ منه ومن مسائله وبحوثه لا يتوقَّفُ فهمُ كلام الله ورسوله عليها١.

وكذلك أصولُ الفقه، القدرُ الذي يتوقَّفُ فهمُ الخطاب عليه منه تجبُ معرفتُه، دون المسائل المُقَدَّرة والأبحاث التي هي فَضْلة، فكيف يقال: إنَّ تعلُّمها واجب؟!

وبالجملة؛ فالمطلوبُ الواجبُ من العبد من العلوم والأعمال إذا توقَّف على شيءٍ منها كان ذلك الشيءُ واجبًا وجوبَ الوسائل، ومعلومٌ أنَّ ذلك التوقُّفَ٢ يختلفُ باختلاف الأشخاص والأزمان والألسنة والأذهان؛

  1. (١) لكنَّ ما يتوقَّفُ فهمُ الكلام عليه لا يوصلُ إليه إلا بتعلُّم كثيرٍ مما لا يُحتاجُ إليه، فصار الثاني مما لا يتمُّ الواجبُ إلا به. وللخليل بن أحمد عبارةٌ مشهورةٌ في هذا. انظر: «بهجة المجالس» (١/ ٦٧)، و«نصرة الثائر» للصفدي (٦٧).
  2. (٢) (ت): «المتوقف».
450

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي