مفتاح دار السعادة

فليس لذلك حدٌّ مقدَّر١، والله أعلم.

الوجه الثالثُ والثلاثون بعد المئة: ما رواه ابنُ حبان في «صحيحه»٢

من حديث أبي هريرة يرفعُه إلى النبيِّ ﷺ قال: «سأل موسى ربَّه عن ستِّ خصالٍ كان يظنُّ أنها له خالصة، والسابعةُ لم يكن موسى يحبُّها، قال: يا ربِّ، أيُّ عبادك أتقى؟ قال: الذي يَذْكُرُ ولا ينسى، قال: فأيُّ عبادك أهدى؟ قال: الذي يتبعُ الهدى، قال: فأيُّ عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكمُ للناس ما يحكمُ لنفسه، قال: أيُّ عبادك أعلم؟ قال: عالمٌ لا يشبعُ من العلم، يجمعُ علمَ الناس إلى علمه، قال: فأيُّ عبادك أعزُّ؟ قال: الذي إذا قَدَرَ غفَر، قال: فأيُّ عبادك أغنى؟ قال: الذي يرضى بما أوتي، قال: فأيُّ عبادك أفقر؟ قال: صاحبٌ منقوص»٣.

  1. (١) (ن، ح): «حد مقدور».
  2. (٢) (٦٢١٧)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (٣٦٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦١/ ١٣٤، ١٣٥، ١٣٦)، وغيرهم.
    وفي إسناده دراج بن سمعان، وهو مختلفٌ فيه، كما تقدم (ص: ٢٠٣)، وليس حديثه هذا بالمحفوظ، وقد اضطرب في تسمية شيخه على وجهين، وأصل الحديث مشهورٌ مرويٌّ من وجوهٍ كثيرة عن جماعة من التابعين: عطاء، ومجاهد، وأبي عمرو الشيباني، ووهب بن منبه، وكعب الأحبار، وميثم (شيخٌ لأبي إسحاق السبيعي، يروي أخبار بني إسرائيل. انظر: «الثقات» لابن حبان: ٥/ ٤٦٣، و«الزهد» لهناد: ١٣٠١، و«الدعاء» للضبي: ١٠٣) وغيرهم، مقطوعًا، وعن ابن عباس موقوفًا، من أخبار أهل الكتاب، وهو الأشبه.
  3. (٣) قال ابن حبان عقب الحديث: «صاحبٌ منقوص: يريد به منقوصٌ حالتُه، يستقلُّ ما أوتي ويطلبُ الفضل».
451

فأخبر في هذا الحديث أنَّ أعلمَ عباده الذي لا يشبعُ من العلم، فهو يجمعُ علمَ الناس إلى علمه؛ لنَهْمَته في العلم، وحرصه عليه.

ولا ريب أنَّ كون العبد أعلمَ عباد الله١ من أعظم أوصاف كماله، وهذا هو الذي حمل موسى على الرِّحلة إلى عالِم الأرض ليعلِّمه مما علَّمه الله. هذا وهو كليمُ الرحمن، وأكرمُ الخلق على الله في زمانه، وأعلمُ الخلق، فحمله حرصُه ونَهْمتُه في العلم على الرِّحلة إلى العالِم الذي وُصِفَ له.

فلولا أنَّ العلمَ أشرفُ ما بُذِلَت فيه المُهَج، وأُنفِقَت فيه الأنفاس، لاشتغلَ موسى عن الرِّحلة إلى الخَضر بما هو بصدده من أمر الأمَّة، وعن مقاساة النَّصَب والتعب في رحلته وتلطُّفه للخَضر في قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، فلم ير اتباعَه حتى استأذنه في ذلك وأخبره أنه جاء متعلِّمًا مستفيدًا.

فهذا النبيُّ الكريمُ كان عالمًا بقدر العلم وأهله، صلواتُ الله وسلامه عليه.

الوجه الرابع والثلاثون بعد المئة: أنَّ الله ﷾ خلقَ الخلقَ لعبادته الجامعة لمحبَّته وإيثار مرضاته، المستلزمة لمعرفته، ونَصَب للعباد عَلَمًا لا كمال لهم إلا به؛ وهو أن تكونَ حركاتُهم كلُّها واقعةً على وَفْقِ مرضاته ومحبَّته، ولذلك أرسل رسله، وأنزَل كتبه، وشرع شرائعه.

فكمالُ العبد الذي لا كمال له إلا به أن تكونَ حركاتُه موافقةً لما يحبُّه الله منه ويرضاه له.

  1. (١) (ق): «أعظم عباد الله». وهو تحريف.
452

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي