تحرَّك فبأمر الله، وإن سَكَن فسكونُه استعانةٌ على مرضاة الله؛ فهو لله وبالله ومع الله.
ومعلومٌ أنَّ صاحبَ هذا المقام أحوجُ خلق الله إلى العلم؛ فإنه لا تتميَّز له الحركةُ المحبوبةُ لله من غيرها ولا السُّكونُ المحبوبُ له من غيره إلا بالعلم، فليست حاجتُه إلى العلم كحاجة من طلبَ العلمَ لذاته ولأنه في نفسه صفةُ كمال، بل حاجتُه إليه كحاجته إلى ما به قِوامُ نفسه وذاته.
ولهذا اشتدَّت وَصَاةُ شيوخ العارفين لمُرِيديهم بالعلم وطلبه١، وأنه من لم يطلب العلمَ لم يُفْلِح، حتى كانوا يَعُدُّونَ من لا علم له من السِّفْلة٢.
قال ذو النون٣، وقد سئل: من السِّفْلة؟، فقال: «من لا يعرفُ الطريقَ إلى الله تعالى ولا يتعرَّفُه»٤.
وقال أبو يزيد٥: «لو نظرتم إلى الرجل وقد أُعطِي من الكرامات حتى يتربَّع٦ في الهواء، فلا تغترُّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحِفظ الحدود ومعرفة الشريعة»٧.
(١) عقد القشيري في «الرسالة» بابًا في ذكر مشايخ الطريقة وما يدلُّ من سِيَرهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة. وهو مصدر المصنف في الأقوال التالية.
(٣) ثوبان بن إبراهيم المصري، زاهد، واعظ (ت: ٢٤٥). «السير» (١١/ ٥٣٢).
(٤) «الرسالة القشيرية» (٤٦). وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٣٧٢).
(٥) طيفور بن عيسى البِسْطامي، زاهدٌ يروى عنه كلامٌ نافع وكلماتٌ مشكلة (ت: ٢٦١). «السير» (١٣/ ٨٦).
(٦) (ن): «يترفع». وفي بعض المصادر: «يرتفع»، «يرفع»، «يرتقى».
(٧) «الرسالة القشيرية» (٦٤). وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٤٠)، والبيهقي في «الشعب» (٤/ ٤٤٩)، وغيرهم.
وقال أبو حمزة البزَّاز١: «من عَلِمَ طريقَ الحقِّ سَهُل عليه سلوكُه، ولا دليل على الطريق إلا متابعةُ الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله»٢.
وقال محمدُ بن الفضل الصوفي الزاهد٣: «ذهابُ الإسلام على يدي أربعة أصنافٍ من الناس: صنفٍ لا يعملون بما يعلمون، وصنفٍ يعملون بما لا يعلمون، وصنفٍ لا يتعلَّمون ولا يعملون٤، وصنفٍ يمنعونَ الناسَ من التعلُّم»٥.
قلتُ: الصنفُ الأول: من له علمٌ بلا عمل؛ فهو أضرُّ شيءٍ على العامَّة، فإنه حجَّةٌ لهم في كلِّ نقيصةٍ ومَبْخَسَة٦.
والصنفُ الثاني: العابدُ الجاهل؛ فإنَّ الناسَ يحسِّنون الظنَّ به؛ لعبادته وصلاحه، فيقتدون به على جهله.
وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعضُ السَّلف في قوله: «احذروا
(١) محمد بن إبراهيم البغدادي، صوفي، عنده انحرافٌ وشَطْح، قال الذهبي: «له تأويل» (ت: ٢٦٠). انظر: «السير» (١٣/ ١٦٥).
(٢) «الرسالة القشيرية» (١٠٠). وأخرجه السلمي في «طبقات الصوفية» (٢٩٨).
(٣) أبو عبد الله، العلَّامة، واعظُ بَلْخ (ت: ٣١٧). «السير» (١٤/ ٥٢٣).
(٤) (ت): «لا يعملون ولا يعلمون». وفي «الرسالة» ومصادر التخريج: «لا يتعلمون ما لا يعلمون». وهو من تصرُّف المصنف.
(٥) «الرسالة القشيرية» (٨٨). وأخرجه السلمي في «طبقات الصوفية» (٢١٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٣٣)، والبيهقي في «الشعب» (٤/ ٤٣٠).