مفتاح دار السعادة

الوجه الخامس والثلاثون بعد المئة: أنَّ الله سبحانه جعل العلماءَ وكلاءَ وأمناءَ على دينه ووحيه، وارتضاهم لحفظه والقيام به والذبِّ عنه، وناهيك بها منزلةً شريفةً ومنقبةً عظيمة، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٨٨ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٨ - ٨٩].

وقد قيل: إنَّ هؤلاء القوم هم الأنبياء. وقيل: أصحابُ رسول الله ﷺ. وقيل: كلُّ مؤمن.

هذه أمَّهاتُ الأقوال، بعد أقوالٍ متفرِّعةٍ عن هذه، كقول من قال: هم الأنصار، أو: المهاجرون والأنصار، أو: قومٌ١ من أبناء فارس.

وقال آخرون: هم الملائكة٢.

قال ابن جرير٣: «وأولى هذه الأقوال بالصواب: أنهم الأنبياء الثمانية عشر الذين سمَّاهم في الآيات قبل هذه الآية».

قال: «وذلك أنَّ الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى، وفي التي بعدها عنهم ذُكِر، فما بينها٤ بأن يكونَ خبرًا عنهم أولى وأحقُّ من أن يكون٥

  1. (١) (ن): «أو هم».
  2. (٢) انظر: «زاد المسير» (٣/ ٨١)، و«الدر المنثور» (٣/ ٢٨).
  3. (٣) (١١/ ٥١٨).
  4. (٤) في الأصول: «فما يليها». تحريف. والمثبت من كتاب ابن جرير.
  5. (٥) في الأصول: «بأن يكون». وهو تحريف كذلك.
457

خبرًا عن غيرهم. فالتأويل: فإن يكفر قومُك من قريشٍ يا محمدُ بآياتنا، وكذَّبوا بها، وجحدوا حقيقتَها، فقد استحفظناها واسترعينا القيامَ بها رسلَنا وأنبياءنا من قبلك، الذين لا يجحدون حقيقتَها ولا يكذِّبون بها، ولكنهم يصدِّقون بها ويؤمنون بصحتها».

قلت: السُّورة مكِّية، والإشارةُ بقوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى من كفر به من قومه أصلًا، ومَنْ عداهم تبعًا، فيدخلُ فيها من كفر بما جاء به من هذه الأمَّة.

والقومُ الموكَّلون بها هم الأنبياءُ أصلًا، والمؤمنون بهم تبعًا، فيدخلُ فيها كلُّ من قام بحفظها والذبِّ عنها والدعوة إليها، ولا ريب أنَّ هذا للأنبياء أصلًا وللمؤمنين بهم تبعًا، وأحقُّ من دخلَ فيهم من أتباع الرسول خلفاؤه في أمَّته وورثتُه، فهم الموكَّلون بها.

وهذا ينتظمُ الأقوالَ التي قيلت في الآية.

وأما قولُ من قال: إنهم الملائكة؛ فضعيفٌ جدًّا لا يدلُّ عليه السِّياق، وتأباه لفظة «قوم»؛ إذا الغالبُ في القرآن ــ بل المطَّرد ــ تخصيصُ القوم ببني آدم دون الملائكة. وأما قولُ إبراهيم لهم: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]، فإنما قاله لمَّا ظنَّهم من الإنس.

وأيضًا؛ فلا يقتضيه فخامةُ المعنى ومقصودُه، ولهذا لو ظهَر ذلك وقيل: «فإن يكفُر بها كفَّارُ قومك فقد وكَّلنا بها الملائكة فإنهم لا يكفرون بها»، لم يَجِد منه من التسلية وتحقير شأن الكفرة بها، وبيان عدم تأهُّلهم لها١ والإنعام عليهم، وإيثار غيرهم من أهل الإيمان الذين سبقت لهم الحسنى

  1. (١) (ح، ن): «تأهيلهم لها».
458

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي