مناسك الحجِّ وقد حَوَّل قفاه إليهم، ثمَّ قال سليمان لابنيه: قُوما، فقاما، فقال: يا بَنِيَّ، لا تَنِيا في طلب العلم؛ فإني لا أنسى ذُلَّنا بين يدي هذا العبد الأسود.
قال الحربي: وكان محمدُ بن عبد الرحمن الأوقص١ عنقُه داخلٌ في بدنه، وكان منكباه خارجَيْن كأنهما زُجَّان٢، فقالت له أمُّه: يا بنيَّ، لا تكونُ في مجلس قومٍ إلا كنتَ المضحوكَ منه المسخورَ به، فعليك بطلب العلم فإنه يرفعك. فوَلِيَ قضاءَ مكة عشرين سنة.
قال: وكان الخصمُ إذا جلس إليه بين يديه يَرْعُد حتى يقوم.
قال: ومرَّت به امرأةٌ يومًا وهو يقول: اللهمَّ أعتق رقبتي من النار، فقالت له: يا ابنَ أخي، وأيُّ رقبةٍ لك؟!٣.
وقال يحيى بن أكثم: قال الرشيد: ما أنبلُ المراتب؟ قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين. قال: فتعرفُ أجلَّ منِّي؟ قلت: لا. قال: لكنِّي أعرفُه؛ رجلٌ في حَلْقةٍ يقول: حدثنا فلانٌ عن فلانٍ عن رسول الله ﷺ. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أهذا خيرٌ منك وأنت ابن عمِّ رسول الله ﷺ ووليُّ عهد المسلمين؟! قال: نعم، ويلك، هذا خيرٌ منِّي؛ لأنَّ اسمَه مقترنٌ باسم رسول الله، لا يموتُ أبدًا، ونحن نموتُ ونفنى، والعلماءُ باقون ما بقي الدهر٤.
(٢) الزُّجُّ: الحديدة التي في أسفل الرمح. «اللسان» (زجج).
(٣) أخرج النصَّ بطوله (خبر عطاء، والأوقص) عن الحربي الخطيبُ في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٤٠).
(٤) أخرجه الخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (٢١٩).
وقال خيثمة بن سليمان: سمعت ابن أبي الخناجر يقول: كنَّا في مجلس يزيد بن هارون، والناسُ قد اجتمعوا، فمرَّ أميرُ المؤمنين فوقف علينا في المجلس، وفي المجلس أُلوفٌ، فالتفت إلى أصحابه، وقال: هذا المُلْك١.
وفي «تاريخ بغداد»٢ للخطيب: حدثني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد، قال: سمعت الحسن بن علي المقراء يقول: سمعت أبا الحسين بن فارس يقول: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنتُ أظنُّ أن في الدنيا حلاوةً ألذَّ من الرِّياسة والوزارة التي أنا فيها، حتى شهدتُ مذاكرةَ سليمان بن أيوب بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجِعَابي بحضرتي، فكان الطبرانيُّ يغلبُ الجِعَابيَّ بكثرة حفظه، وكان الجِعَابيُّ يغلبُ الطبرانيَّ بفطنته وذكاء أهل بغداد، حتى ارتفعت أصواتُهما ولا يكادُ أحدُهما يغلبُ صاحبه، فقال الجِعَابي: عندي حديثٌ ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هاته، فقال: حدثنا أبو خليفة: حدثنا سليمانُ بن أيوب، وحَدَّثَ بالحديث، فقال الطبراني: أنا سليمانُ٣ بن أيوب ومنِّي سمعَ أبو خليفة، فاسمعْ منِّي حتى يَعْلُوَ إسنادُك، فإنك تروي عن أبي خليفة عنِّي! فخَجِلَ الجِعَابيُّ وغَلَبه الطبراني.
قال ابن العميد: فوددتُ في مكاني أنَّ الوزارةَ والرِّياسةَ ليتها لم تكن لي
(١) أخرجه الخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (٢٢٠).
(٢) لم أره في مطبوعته. وهو في «الجامع» للخطيب (٢/ ٤١٣)، ومن طريقه رواه جماعة. والقصة في «التدوين في أخبار قزوين» (٢/ ٨١) في سياقٍ ممتع.
(٣) في «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ١٢٤)، و«طبقات الحنابلة» (٣/ ٩٤): «أخبرنا سليمان»، وهو من تصرُّف النسَّاخ أو المحققين، ظنُّوا «أنا» في هذا الموضع اختصارًا لـ «أخبرنا». وهو مفسدٌ للمعنى كما ترى.