وقال إبراهيمُ لمنصور١: «سل مسألةَ الحمقى، واحفَظ حِفظَ الأكياس»٢.
وكذلك سؤالُ الناس هو عيبٌ ونقصٌ في الرجل وذِلَّةٌ تنافي المروءة، إلا في العلم، فإنه عينُ كماله ومروءته وعزِّه، كما قال بعض أهل العلم: «خيرُ خصال الرجل السؤالُ عن العلم»٣.
وقيل: «إذا جلستَ إلى عالمٍ فسَلْ تفقُّهًا لا تعنُّتًا»٤.
وقال رؤبة بن العجَّاج: أتيتُ النسَّابةَ البكري٥، فقال: من أنت؟ قلت: أنا ابن العجَّاج، قال: قصَّرتَ وعرَّفت، لعلَّك كقومٍ إن سكتُّ لم يسألوني، وإن تكلَّمتُ لم يَعُوا عنِّي؟ قلت: أرجو أن لا أكون كذلك، قال: ما أعداءُ المروءة؟ قلت: تُخْبِرُني، قال: بنو عمِّ السُّوء؛ إن رأوا حسنًا ستروه، وإن رأوا سيِّئًا أذاعوه. ثمَّ قال: إنَّ للعلم آفةً ونكدًا وهُجْنة؛ فآفتُه نسيانُه، ونكَدُه الكذبُ فيه، وهُجْنتُه نشرُه عند غير أهله٦.
(١) إبراهيمُ هو النخعي، ومنصورُ ابن المعتمر.
(٢) «عيون الأخبار» (٢/ ١٢٢). وهو في «جمهرة الأمثال» (١/ ٧٩)، وغيره.
(٣) «عيون الأخبار» (٢/ ١٢٣).
(٤) «عيون الأخبار» (٢/ ١٢٣). وهو في «العقد» (٢/ ٢٢٤)، وغيره.
(٥) دَغْفَل بن حنظلة بن زيد، عالمٌ بالنَّسب، يقال: له صحبة (ت: ٧٠). انظر: «الإصابة» (٢/ ٣٨٠)، و«تهذيب الكمال» (٨/ ٤٨٦).
(٦) «عيون الأخبار» (٢/ ١١٨). وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٨٠)، والبيهقي في «الشعب» (٤/ ٣٨٦)، وابن عبد البر في «الجامع» (١/ ٤٤٩)، وغيرهم.
وأنشدَ ابنُ الأعرابي١:
ما أقربَ الأشياءَ حين يَسُوقُهاقَدَرٌ وأبعدَها إذا لم تُقْدَرِ
فسَلِ الفقيهَ تكن فقيهًا مثلهمن يَسْعَ في علمٍ بِذُلٍّ يَمْهَرِ
فتدبَّر العلمَ الذي تُعنى٢ بهلا خيرَ في علمٍ بغير تدبُّرِ
ولقد يَجِدُّ المرءُ٣ وهو مُقَصِّرٌويخيبُ جَدُّ المرء غير مُقَصِّرِ
وبقيتُ في خَلْفٍ يُزيِّنُ بعضُهمبعضًا لِيَدْفَعَ مُعْوِرٌ٤ عن مُعْوِر
وللعلم ستُّ مراتب٥:
أولها: حُسْنُ السؤال.
الثانية: حُسْنُ الإنصات والاستماع.
(١) «عيون الأخبار» (٢/ ١٢٣). والأبيات الأربعة الأولى في «لباب الآداب» (٣٦١) دون نسبة. والأول والأخيران في «بهجة المجالس» (١/ ١٨٢، ٨٠١) لعبدالله بن المبارك، وللحسن الأصفهاني في «إرشاد الأريب» (٨٧٥). والأخيران لأبي الأسود الدؤلي في «إرشاد الأريب» (١٤٧٣)، ومستدرك ديوانه (٣٩٧)، ولمرة بن عمرو الخزاعي في «معجم الشعراء» (٢٩٥)، وللحكم بن عبدل الأسدي في «المؤتلف والمختلف» (١٦١)، وللمرار بن حمويه الهمداني في «التدوين» (٤/ ٨٣). والأول ــ وحده ــ لعبد الله بن يزيد الهلالي في «حماسة البحتري» (٢٤٦).
(٢) في الأصول: «تفتي». والمثبت من «عيون الأخبار» و«لباب الآداب»، وهو أشبه بالصواب.
(٣) أي: يكون ذا حظوةٍ ورزق. من الجَدِّ.
(٤) قبيحُ السِّيرة، كأنه بادي العورة.
(٥) أصلها في «عيون الأخبار» (٢/ ١٢٢). وتصرَّف فيها المصنف.