السادسة ــ وهي ثمرتُه ــ: وهي العملُ به ومراعاةُ حدوده.
فمن الناس من يُحْرَمُه لعدم حُسْن سؤاله؛ إمَّا أنه لا يسألُ بحال، أو يسألُ عن شيءٍ وغيرُه أهمُّ إليه منه؛ كمن يسألُ عن فُضوله التي لا يضرُّ جهلُه بها، ويدعُ ما لا غنى له عن معرفته. وهذه حالُ كثيرٍ من الجهَّال المتعالِمين١.
ومن الناس من يُحْرَمُه لسوء إنصاته، فيكونُ الكلامُ والمماراةُ آثَر عنده من حُسْن الاستماع٢. وهذه آفةٌ كامنةٌ٣ في أكثر النفوس الطالبة للعلم، وهي تمنعهم علمًا ولو كان حَسَنَ الفهم.
ذكر ابنُ عبد البر٤ عن بعض السَّلف أنه قال: «من كان حسنَ الفهم رديءَ الاستماع لم يَقُمْ خيرُه بشرِّه».
وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب «العلل» له٥ قال: «كان عروةُ بن
(١) (ح، ن): «المتعلمين».
(٢) (ح، ن): «آثر عنده وأحب إليه من الإنصات».
(٣) (ق، د): «كاينة».
(٤) في «جامع بيان العلم» (١/ ٤٤٨) عن أنس بن أبي شيخ. وهو بليغٌ كاتب، قتله الرشيد سنة ١٨٧ على الزندقة. انظر: «لسان الميزان» (١/ ٤٦٨).
(٥) (١/ ١٨٦)، والأشبه أنه للإمام أحمد من رواية ابنه عبد الله. وأخرجه أحمد أيضًا في «فضائل الصحابة» (١٨٦٩)، وأخرجه عنه ــ من غير طريق عبد الله ــ الخطيبُ في «الجامع» (١/ ٣١٧).
الزبير١ يحبُّ مُمَاراةَ ابنَ عباس فكان يَخْزُنُ علمَه عنه، وكان عبيدُ الله بن عبد الله بن عتبة يَلْطُفُ له في السؤال فيَغُرُّه بالعلم غَرًّا٢».
وقال ابن جريج: «لم أستخرج العلمَ الذي استخرجتُ من عطاء إلا برفقي به»٣.
وقال بعضُ السَّلف: «إذا جالستَ العالم فكن على أن تسمع أحرصَ منك على أن تقول»٤.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾[ق: ٣٧].
فتأمَّل ما تحت هذه الألفاظ من كنوز العلم، وكيف تفتحُ مراعاتُها للعبد أبوابَ العلم والهدى، وكيف ينغلقُ بابُ العلم عنه من إهمالها وعدم
(١) كذا في الأصول. وهو وهم. وإنما هو أبو سلمة بن عبد الرحمن، كما في «العلل» والمصادر السابقة. وقد كان يماري ابنَ عباس، فحُرِم بذلك علمًا كثيرًا. انظر: «الطبقات» لابن سعد (٥/ ٢٥٠)، و«التمهيد» (٧/ ٦٠، ٦١)، و«تهذيب الكمال» (١٩/ ٧٥)، وغيرها. وصحَّ عنه أنه كان يقول: «لو رفقتُ بابن عباس لأصبتُ منه علمًا كثيرًا». أخرجه الدارمي (٤١٢، ٥٦٨) وغيره.
(٢) غَرَّ الطائرُ فرخَه: أطعمه بفمه. «اللسان» (غرر) و(زقق). والعبارة مهملة في (ق، ت، د)، وتحرفت في (ط) وكثير من المصادر، وهي مقتبسةٌ من حديثٍ مرفوع لا يصحُّ إسناده أنه ﷺ كان يغرُّ عليًّا بالعلم غرًّا، أخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (١١٥٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٢/ ١٧٠).